من سينتصر في الحرب؟

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

ليست كل الحروب تُعلَن؛ فبعضها يُدار بهدوء داخل المؤسسات. لا تُرفَع فيها الأصوات، ولا تُكتَب فيها بيانات، لكن آثارها تظهر في التفاصيل الصغيرة: قرارٌ يتأخر، رسالةٌ تُفهم ببرود، واجتماعٌ يخرج منه الجميع وهم يشعرون أن شيئًا غير مرئي قد قيل بين السطور. ليست كل معركة في العمل صراعًا على قرارٍ أو مشروع؛ أحيانًا تكون معركةً على الثقة، أو على الكرامة المهنية، أو على الشعور بالمكانة داخل الفريق.

تبدأ الحرب أحيانًا حين يشعر قائدٌ أن أحد موظفيه يزعجه أكثر مما ينبغي: أسئلةٌ كثيرة، حضورٌ يلفت الانتباه، أو رأيٌ لا ينسجم دائمًا مع الاتجاه العام. وقد تبدأ من الجهة الأخرى أيضًا؛ حين يقتنع بعض الموظفين أن قائدهم لا يسمعهم، أو لا يثق بهم، أو يراهم مجرد منفذين لا شركاء في العمل. وهكذا، دون إعلانٍ رسمي، تنشأ حربٌ صامتة: قائدٌ يضيّق المساحة خطوةً خطوة، وموظفٌ أو فريقٌ ينسحب من الحماس قليلًا. لا أحد يقول إنه يحارب، لكن الجميع يتصرف وكأن المعركة قائمة.

حين تبدأ الحرب من جهة القيادة، غالبًا لا تبدو حربًا في ظاهرها. قد تأخذ شكل ملاحظاتٍ متكررة، أو تكليفاتٍ مرهقة، أو تقليصٍ تدريجي لمساحة الثقة. وفي كل مرة يمكن تفسير ما يحدث تفسيرًا إداريًا مقبولًا. لكن الموظف الذي يعيش التفاصيل يلتقط الرسالة الأخرى: اختبارٌ لا ينتهي، أو شعورٌ بأن مكانه لم يعد آمنًا كما كان من قبل.

وقبل أن تتحول هذه الحرب إلى سلوكٍ ظاهر، تبدأ غالبًا داخل العقول. القائد يقرأ تصرفات الموظف على أنها تحدٍّ، والموظف يقرأ قرارات القائد على أنها استهداف. كل طرف يفسّر ما يحدث بمنطق الدفاع عن نفسه، فيغدو الحوار تأويلًا، وتغدو الملاحظة اتهامًا، ويصبح الصمت خيارًا أقل كلفة من كلمة قد تُفهم خطأً. هنا لا يتوقف العمل فجأة، لكنه يفقد شيئًا من صفائه الداخلي.

وفي الجهة الأخرى، قد لا يختار الفريق المواجهة المباشرة. فالحروب في المؤسسات نادرًا ما تُدار بالصدام الصريح. بدل ذلك، تظهر المقاومة في صورٍ أكثر هدوءًا؛: تراجعٌ في المبادرة، التزامٌ حرفي بالحد الأدنى من العمل، صمتٌ في الاجتماعات، وغيابٌ تدريجي للحماس. لا أحد يعترض علنًا، لكن الطاقة التي كانت تدفع العمل إلى الأمام تبدأ شيئًا فشيئًا في الانكماش.

ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى ساحة استنزاف غير معلنة. القائد يشعر أن فريقه لم يعد كما كان، والموظفون يشعرون أن العمل فقد شيئًا من روحه. القرارات تمرّ، والمشاريع تستمر، لكن المناخ الداخلي يصبح أثقل مما يبدو عليه من الخارج؛ فالحروب الصامتة لا تُعطّل العمل فورًا، لكنها تسحب منه تلك الحيوية التي لا تُقاس في التقارير.

والمفارقة أن كل طرف في هذه الحرب يظن أنه يدافع عن موقعه. القائد يعتقد أنه يحمي النظام والانضباط، والموظف يعتقد أنه يحمي كرامته المهنية. لكن النتيجة غالبًا واحدة: تضيق مساحة الثقة، وتتراجع مساحة العمل المشترك، وتخسر المؤسسة شيئًا من طاقتها في معركة لم يكن أحد مضطرًا لخوضها.

ولهذا، قد لا يكون السؤال الأهم: من سينتصر؟ بل: ماذا سيبقى بعد أن تهدأ الحرب؟ فالمعركة التي تدور داخل المؤسسة قد تمنح أحد الأطراف انتصارًا ظاهريًا، لكنها تترك خلفها فريقًا أقل ثقة، وقائدًا أكثر حذرًا، ومؤسسةً فقدت شيئًا من روحها.

وفي النهاية، قد يربح أحدهم الجولة، لكن المؤسسة وحدها هي التي تدفع ثمن هذه الحرب.

 

 

الأكثر قراءة

z