أمريكا والخليج

حاتم الطائي

 

◄ أمريكا سعت طيلة عقود لخلق "فزاعة" تُبرر وجودها العسكري بالمنطقة

◄ القواعد الأمريكية لم تكن ولن تكون يومًا مصدر أمن وأمان لدول الخليج

◄ ضرورة محاكمة مجرم الحرب نتنياهو ومساءلة ترامب عن انتهاك القانون الدولي

 

لم يعد خافيًا على أحد أنَّ مزاعم الحماية الأمريكية لدول الخليج قد تبددت وتبخرت فوق مياه الخليج، ليس فقط عندما اضطرت إيران إلى توجيه ضربات إلى القواعد الأمريكية في المنطقة، في الحرب المجنونة التي شنها التحالف الصهيو-أمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ بل إن الأمر بدأ عندما شرعت هذه الدول في فتح أراضيها وسماواتها أمام الوجود العسكري الأمريكي.

البداية كانت من الاستراتيجية الأمريكية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بعدما خرجت مزهوةً بنفسها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وترسيخها لنظام عالمي جديد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ومساعيها الحثيثة من أجل السيطرة على العالم، وتحديدًا على موارد الطاقة، وبما أن منطقة الخليج واحدة من أغنى المناطق حول العالم في إنتاج الطاقة، فكان لا بُد من السيطرة عليها. وتزامن ذلك مع الثورة الإيرانية، والتي استغلتها الولايات المتحدة الأمريكية لخلق "فزّاعة" إقليمية، تُجبر من خلالها بعض دول المنطقة على الاستسلام التام لكل ما يتفوه به الأمريكي، فإذا قال إنَّ الوضع يفرض بناء قواعد عسكرية، يكون الرد بالمُوافقة، وإذا تطلب الأمر نشر جنود على الأرض لم يكن ليجد أي معارضة. وهكذا استطاعت أمريكا التوغل في عمق الأمن الإقليمي، والتحكم فيه، ونشر التهديدات، وفي المقابل، دفع دول المنطقة إلى توسيع مشترياتها من السلاح والذخائر الأمريكية، بمئات المليارات من الدولارات.

ترامب النرجسي المتطرف، قرر أن يتخلى عن أمن الخليج، مهما أنكر ذلك هو وإداراته الفاشية، بينما منح مجرم الحرب بنيامين نتنياهو "مقود الحرب" يسوقها كيفما شاء، فإذا بالأوضاع تنفجر فجأة في قلب عملية تفاوضية كانت قاب قوسين أو أدنى من إبرام اتفاق جاد، ومصالحة تاريخية بين إيران والولايات المتحدة، بموجبها كانت ستمنح إيران استثمارات بأكثر من 2.5 تريليون لصالح الشركات الأمريكية. لكن نتنياهو قرر استغلال فرصة "استسلام" ترامب لرغباته، وشنَّ هذه الحرب الشعواء، واستباح السيادة الإيرانية، واغتال المرشد الأعلى والعشرات من قادة الجيش والأجهزة الأمنية والاستخباراتية.

التطورات التي نشهدها منذ أكثر من أسبوع، تؤكد أنَّ القواعد الأمريكية لم تكن ولن تكون يومًا مصدر أمن وأمان لدول الخليج؛ بل إنها السبب الرئيس للهجمات الإيرانية، فلولا الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، ما كان لإيران أن تطلق قذيفة واحدة باتجاه جيرانها، والمسؤول الأول والأخير عن هذا التصعيد العسكري غير المسبوق في تاريخ الخليج هي الولايات المتحدة والرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنفسه؛ لأنه هو الذي جرّ منطقتنا الآمنة إلى أتون هذه الحرب المتهورة، والتي برهنت على أنَّ واشنطن لا يعنيها مطلقًا أمن الخليج، وأن أيّ حديث عن ضمانات أمريكية لأمن الخليج هو محض هراء ودجل سياسي، لاستنزاف موارد الدول الخليجية.

المؤكد أنَّ دول الخليج أدركت الآن خطر الوجود العسكري الأمريكي على أمنها واستقرارها، وأنَّ الضمان الحقيقي للأمن الإقليمي يكمن في أيدي هذه الدول بما تملكه من سيادة وكبرياء وطني ومؤازرة شعبية. ولا يستطيع أحد نفي الغضب الخليجي من الولايات المتحدة، بسبب هروبها التام من مسؤوليتها تجاه أمن الخليج، ولا أدل على ذلك من البيان شديد اللهجة الذي أصدره خلف الحبتور أحد أبرز رجال الأعمال في دولة الإمارات العربية المُتحدة، بل وعلى مستوى الشرق الأوسط، وهاجم ترامب بسبب هذه الحرب الملعونة التي فجرها بتواطؤ مع مجرم الحرب بنيامين نتنياهو. هذا الانتقاد العلني من أحد أقطاب عالم المال والأعمال، يؤكد أنَّ الدوائر السياسية والعسكرية والأمنية تتبنى ذات الانتقاد وربما ما هو أكبر من ذلك.

الحرب الدائرة رحاها اليوم في منطقتنا والتي تسببت في أعنف توتر أمني وعسكري، تُهدد ليس فقط اقتصادات الخليج، وإنما الاقتصاد العالمي برمته، خاصةً إذا ما علمنا أنَّ تكلفة ناقلة النفط في اليوم الواحد وصلت إلى نصف مليون دولار، فيما ارتفعت تكاليف الشحن البحري 12 ضعفًا، وتفاقمت تكلفة التأمين البحري لمستويات قياسية بلغت أكثر من 150% في بعض القطاعات، فيما قفزت أسعار النفط لأعلى مستوياتها في 4 سنوات، لتتخطى مستوى 100 دولار.

في الجانب الآخر، تتكبد الولايات المتحدة ذاتها خسائر فادحة بسبب هذه الحرب، وهنا لا أتحدث عن تدمير الطائرات المُقاتلة الأمريكية من طراز "إف-15 إيجل آي" ولا عن مقتل جنود أمريكيين، رغم أنَّ الحرب ما تزال غير برية ولم تتحول إلى غزو للأراضي الإيرانية، لكنني أشير إلى الخسائر التي تصل إلى مليار دولار في اليوم الواحد، نتيجة تكلفة الطيران والقذائف والذخائر وغيرها، هذا إلى جانب خسائر اقتصادية أخرى لم تُقدر بدقة إلى الآن، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار المحروقات داخل الولايات المتحدة، ولا تأثيرات الحرب على التضخم العالمي، في ظل الزيادة الهائلة في تكلفة الشحن كما أشرنا سالفًا.

المطلوب اليوم ليس فقط وقف الحرب والاتفاق على تهدئة عسكرية طويلة الأمد، وإنما أيضًا الإسراع في محاكمة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، ومساءلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المحاكم الدولية لانتهاكه القانون الدولي، إلى جانب مقاضاته على الجرائم التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية والأمريكية في إيران، وأبرزها مذبحة الطالبات في مدرسة الفتيات، التي راح ضحيتها أكثر من 150 طالبة، دفنَّ في مقابر جماعية، في مشهد أعاد للأذهان جرائم إسرائيل وأمريكا بحق المدنيين في مختلف الدول.

ويبقى القول.. لقد تكشف للجميع أنَّ الحماية الأمريكية المزعومة لدول الخليج ليست سوى أكذوبة كبرى وخديعة محكمة، استغلت مخاوف بعض الدول لكي تستنزف الثروات الخليجية، بينما لو أن هذه الأموال الطائلة التي حصلت عليها الولايات المتحدة على مدى عقود، خُصِّصت لتعزيز التنمية الخليجية والارتقاء بمستويات التعليم والصحة وغيرها، فضلًا عن بناء جيوش أقوى في مواجهة التحديات، لكان خيرًا للجميع، وترسيخًا لمبدأ الخليج الواحد وتحقيقًا لحلم التكامل، الذي لم يتحقق إلى الآن رغم كل هذه السنوات من التَّعاون الأخوي والمحبة الصادقة المُتبادلة، لكن من المؤسف أنَّ الشيطان ينزغ بيننا على الدوام، لكي يُحقق مآربه، ويتركنا في نهاية المطاف نواجه عواقب أفعاله وجرائمه بمفردنا.. فهل استوعبنا الدرس؟!

الأكثر قراءة

z