خالد بن حمد الرواحي
في كل مؤسسة، لا تنتقل الأخبار دائمًا عبر القنوات الرسمية؛ بل تجد لنفسها أحيانًا طرقًا أقصر مما ينبغي، فتصل إلى القائد على أجنحةٍ خفيفة يُطلق عليها الموظفون- مازحين- «العصفورة». وحين يُفاجَأ أحدهم بأنَّ حديثًا دار في دائرةٍ ضيّقة أصبح معروفًا لدى الإدارة، يبدأ السؤال الذي يتكرر في الممرات بصوتٍ خافت: كيف وصلت المعلومة؟ ومن نقلها؟ هنا لا تكمن القضية في وجود المعلومة نفسها، بل في الطريقة التي تُستقبل بها، وفي المساحة التي يمنحها القائد لما يسمعه قبل أن يتحقق منه أو يضعه في سياقه الصحيح.
غير أنَّ المشكلة لا تبدأ بوجود من ينقل الأخبار، بل حين تتحول «العصفورة» إلى مصدر ثقةٍ غير مُختبر. فبعض القادة- بدافع الحرص أو سرعة القرار- يمنحون ما يُنقَل إليهم وزنًا أكبر مما ينبغي، فتتكوّن الانطباعات قبل أن تكتمل الصورة، وتُبنى المواقف على روايةٍ واحدة قد تكون ناقصة أو منحازة دون قصد.
ومع مرور الوقت، لا يتضرر الموظف الذي دارت حوله المعلومة فقط، بل تتأثر أيضًا مساحة الأمان داخل الفريق؛ إذ يشعر الجميع بأن أحاديثهم قد تُفسَّر خارج سياقها، وأن الثقة لم تعد تقوم على الحوار المباشر بقدر ما تقوم على ما يُقال في غيابهم.
وربما لا يدرك بعض القادة أنهم ينزلقون إلى هذا النمط من الإصغاء؛ فالمعلومة التي تصل مبكرًا تمنح شعورًا بالسيطرة، وتوحي بأن القائد قريب من تفاصيل ما يحدث خلف الكواليس. غير أن هذا القرب قد يتحول- دون قصد- إلى اعتمادٍ غير متوازن على مصادر غير رسمية، خاصة حين تُقدَّم الأخبار بعباراتٍ توحي بالحرص أو الولاء. فالقائد بطبيعته يميل إلى من يختصر له الطريق إلى المعلومة، دون أن يشعر أحيانًا أن الطريق المختصر قد يحجب الصورة الكاملة.
وهنا يختلط الحرص بالاجتهاد الشخصي، ويصعب التمييز بين من ينقل بدافع الإصلاح ومن يضيف تفسيراته الخاصة إلى ما سمعه. ومع تكرار ذلك، يصبح القرار أسير الانطباع الأول بدل أن يكون نتاج رؤيةٍ مكتملة تستند إلى أكثر من صوتٍ وزاوية نظر.
الأسلوب الأكثر نضجًا في التعامل مع هذا النوع من الأخبار لا يقوم على الرفض المطلق ولا على التصديق السريع، بل على تحويل المعلومة من همسٍ جانبي إلى حديثٍ واضح. حين يواجه القائد ناقل الخبر بالموظف صاحب الشأن، ويطلب أن يُقال الكلام نفسه في حضوره، تتغير المعادلة بالكامل.
فالمعلومة التي تُقال بثقة أمام الجميع غالبًا ما تكون أقرب إلى الحقيقة، أما تلك التي تتراجع عند المواجهة فتسقط من تلقاء نفسها. وبهذا الأسلوب، لا يُحرج القائد أحدًا ولا يدخل في دائرة الاتهام، بل يضع معيارًا عمليًا يُشعر الجميع بأن العدالة لا تُدار في الظل، وأن القرار لا يُبنى على روايةٍ لا تتحمل النور.
وحين يدرك الفريق أن القائد لا يكتفي بما يُقال له، بل يمنح الجميع حق الحضور والرد، تتغير طبيعة العلاقة داخل المؤسسة بهدوء. يقلّ الاعتماد على الهمس، وتتراجع قيمة الأخبار التي تبحث عن طريقٍ مختصر إلى القرار؛ لأن البيئة نفسها لم تعد تشجّعها.
ومع الوقت، لا يحتاج القائد إلى إعلان قواعد صارمة، بقدر ما يكفي أن يرى الناس كيف تُدار المواقف أمامهم؛ فالثقة تُبنى من الطريقة التي تُعالج بها التفاصيل الصغيرة قبل القرارات الكبيرة، ومن شعور الموظف بأن صوته مسموع حين يُذكر اسمه، لا بعد أن تُحسم الأمور في غيابه.
وفي النهاية، لا يحتاج القائد إلى إغلاق الأبواب أمام من ينقل الأخبار، بقدر ما يحتاج إلى فتح مساحةٍ أوسع للحوار الصريح. فالمعلومة التي تبحث عن طريقها في الظل لا تكشف ضعف الفريق بقدر ما تكشف حاجة القيادة إلى ميزانٍ أدق بين الإصغاء والتحقق.
القائد الذي يسمع الجميع، لكنه لا يبني موقفه إلا على ما يُقال بوضوح، يعلّم مؤسسته- دون أن يعلن- أن الثقة لا تُصنع بالعصافير، بل بالوجوه التي تتحدث أمامه بثبات. فالقيادة التي تُدار بالوضوح تقلّ فيها العصافير… وتكثر فيها الوجوه الواثقة.
