سباق بلا خط نهاية

 

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

ننجح… ثم لا نرتاح. ننتظر لحظة الوصول سنوات، نرسمها في خيالنا، ونربط بها طمأنينتنا المؤجَّلة. نقول لأنفسنا: حين أصل، سأهدأ. حين أحصل على الوظيفة، أبلغ هذا الرقم، أحقق هذا اللقب… ثم نصل. نفرح قليلًا، نبتسم للكاميرا، نردّ على التهاني، ويظهر سؤالٌ آخر بصوتٍ خافت: ماذا بعد؟ ليس لأنَّ ما حققناه قليل، بل لأنَّ شعور الاكتفاء لم يأتِ معنا.

في زمنٍ يُقاس فيه الإنسان بما ينجزه، يُفهم التوقف خطأً على أنه تراجع، ويغدو الرضا حالةً مؤقتة نخشى الإقامة فيها طويلًا. ننتقل من هدفٍ إلى آخر، ومن إنجازٍ إلى سقفٍ أعلى، دون أن نتعلّم كيف نقف لحظة في منطقة الوصول. وكأننا نخشى أن يرانا أحد ونحن نهدأ… فيظن أننا اكتفينا.

ليست المشكلة في الطموح؛ فالطموح جميل وضروري ودافع للحياة. إنما تبدأ الإشكالية حين يتحوّل إلى سباقٍ بلا خط نهاية، وحين يصبح سؤال «ماذا بعد؟» أعلى صوتًا من سؤال «هل أنا بخير الآن؟». وعندما يُقاس الإنسان بما لم يحققه بعد أكثر مما يُحتفى بما أنجزه بالفعل، يتحوّل التقدّم من رغبةٍ طبيعية إلى قلقٍ دائم، وتغدو القمة من حلمٍ منتظر إلى التزامٍ لا ينتهي.

في العمل تحديدًا، يحدث هذا بهدوء. ترقيةٌ تُفرحك يومًا، وتُقلقك في الأسبوع التالي. إشادةٌ تُسعدك لحظة، لتغدو معيارًا جديدًا يُطالَب منك تجاوزه. لا أحد يضغط عليك صراحة، لكنك تشعر أن عليك أن تُثبت أنك تستحق ما وصلت إليه. تبدأ بمقارنة نفسك بمن حولك: من تقدّم أسرع؟ من حقق أكثر؟ من حصد انتباهًا أكبر؟ وهكذا ينتقل النجاح من شعورٍ داخلي إلى سباقٍ خارجي.

تأمّل ذلك الموظف الذي حصل أخيرًا على المنصب الذي حلم به طويلًا. في يوم الإعلان، شعر أنه عبر خط النهاية. عاد إلى منزله بفخرٍ، متخيّلًا أن القلق الذي لازمه سنوات سيتراجع أخيرًا. لكن بعد أيام، جلس أمام مكتبه الجديد، وأدرك أن الخط لم يكن نهاية… بل بداية سباقٍ آخر. لم يعد يفكر في فرحته، بل في سقف التوقعات. لم يسأل: كيف أستمتع بما وصلت إليه؟ بل: كيف لا أخسره؟ تسلّل إليه خوفٌ صغير لم يعترف به من قبل: ماذا لو لم أكن كما يظنون؟

وهنا يتغيّر شيءٌ في الداخل؛ يتحوّل النجاح من شعورٍ بالرضا إلى عبء إثبات، ويغدو التقدّم ضرورة لا خيارًا. ومع الوقت يتشكّل سباقٌ داخلي، لا يجري فيه الإنسان ضد الآخرين فقط، بل ضد فكرة أن يكون عاديًا. كأن العادية تهمة؛ وكأن الهدوء خسارة.

المفارقة أن هذا السباق قد يمنحك مكانةً ودخلًا وتقديرًا، لكنه يسلبك القدرة على الإقامة في أيٍّ منها. تلتقط صورة النجاح، تتلقى التهاني، ثم تعود سريعًا إلى التخطيط لما بعده. لا لأنك جاحد، بل لأنك لم تتعلّم أن تقول لنفسك: هذا يكفي الآن.

وربما هنا يكمن السؤال الحقيقي: هل نحن نركض لأننا نحب التقدّم، أم لأننا نخشى التوقّف؟ هل نطارد القمة لأنها حلمنا، أم لأننا نخاف أن نُرى في المنتصف؟ لعل المشكلة ليست أننا لا ننجح بما يكفي، بل أننا لا نسمح لأنفسنا أن نشعر أننا نجحنا. والأصدق- إن أردنا مواجهة أنفسنا- أننا لا نخشى الفشل بقدر ما نخشى أن نهدأ؛ فأخطر ما في هذا السباق أنك قد تصل إلى أماكن كثيرة، دون أن تشعر يومًا أنك وصلت.

الأكثر قراءة

z