ماذا يبني المدير حين يُقيِّم؟

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

ليس التقييم مجرد نموذج يُملأ، ولا درجة تُسجَّل في نظام، ولا خانة تُغلق في نهاية العام؛ بل هو- لحظة إنسانية عميقة وفاصلة في حياة الموظف والمؤسسة معًا، يرى فيها الموظف نفسه في عين مؤسسته لأول مرة بوضوح، ويعرف من خلالها إن كان يُفهَم… أم يُحاكَم، إن كان يُنصَف… أم يُقارَن، إن كان يُقدَّر… أم يُختزَل في رقم. في هذه اللحظة تحديدًا، لا تُسجَّل نتيجة فقط، بل يُعاد تشكيل معنى العلاقة بين الإنسان والمؤسسة: هل هي علاقة ثقة أم علاقة خوف؟ هل هي مساحة نمو أم مساحة دفاع؟ لذلك، لا يبني المدير في هذه اللحظة تقييمًا فحسب… بل يبني ثقة يمكن أن تمتد لسنوات، أو يهدمها في دقائق.

وكثير من التوتر الذي يُحيط بجلسات التقييم لا يأتي في الحقيقة من النتيجة نفسها، بل من الطريقة التي تُقدَّم بها. فحين يشعر الموظف أنه يُقارَن لا يُفهَم، وأنه يُقاس بغيره لا بما اتُّفق عليه، وأنه يُرى من زاوية واحدة لا من مساره الكامل، يتحول الحوار- بهدوء- من مساحة فهم إلى ساحة دفاع، ويتحوّل التقييم من فرصة للتطوير إلى لحظة مقاومة خفيّة. عندها لا يعود التقييم أداة تطوير، بل يصبح عبئًا نفسيًا يُراكم الحذر بدل أن يُحرّك النمو.

والعدل في التقييم لا يأتي من حسن النية وحدها، بل من وضوح المعايير، ومن العودة المستمرة إلى ما اتُّفق عليه مسبقًا، ومن الحديث عن الوقائع لا عن الانطباعات، وعن السلوك كما هو لا كما نشعر به في تلك اللحظة. وحين يُبنى التقييم على أمثلة واضحة، وعلى حوار صادق حول ما تحقق وما لم يتحقق ولماذا، يشعر الموظف- حتى إن لم يُرضه التقييم- أنه سُمِع فعلًا، وأن ما قُدِّم له لم يكن حكمًا، بل قراءة منصفة لمساره المهني.

حتى اللغة المستخدمة في جلسة التقييم ليست محايدة كما نتصور؛ فجملة صغيرة مثل: «من حقك أن تتظلّم» قد تُقال بنية حسنة، لكنها قد تُستقبل كتهديد مبطن، وكأن الحوار انتهى، وأن ما بقي هو مسار شكلي لا مسار مهني، وهنا لا تُقتل فقط الرغبة في الاعتراض، بل يُقتل الأمان الذي يسمح أصلًا بالحديث، ويُغلق الباب أمام الصراحة قبل أن يُفتح.

ومع ذلك، يظل سؤال أعمق حاضرًا في الخلفية كلما تأملنا واقع التقييم: إذا كان الهدف المعلن منه هو قياس الأثر، فلماذا نرى أحيانًا من يصنع أثرًا حقيقيًا يُختزل في تقدير «جيد»، بينما يُمنح آخرون تقدير «ممتاز» دون أن يكون أثرهم واضحًا بنفس الدرجة؟ وإذا كانت المعايير هي المرجع الذي تحتكم إليه المؤسسة، فلماذا يبقى وزن العلاقات- في بعض الأحيان- أعلى من وزن النتائج نفسها؟ بل إن المفارقة تزداد حدّة حين نتحدث عن العمل الجماعي؛ إذ يتحول إنجاز فريق كامل إلى نقطة تُنسب لفرد واحد، وكأن الجهد الجماعي لم يكن إلا خلفية غير مرئية لاسمٍ واحد.

انطلاقًا من ذلك، يتبدّل السؤال من «من يستحق الامتياز؟» إلى سؤال أعمق وأكثر إلحاحًا: بأي منطق نمنحه؟ لأن التقييم- في جوهره- لا يكشف مستوى الموظف وحده، بل يكشف قبل ذلك مدى نضج المؤسسة التي تُقيّمه، وطريقة فهمها للعدل، وللأثر، وللعمل المشترك.

في النهاية، المدير في لحظة التقييم ليس صاحب سلطة فقط، بل صاحب أمانة؛ أمانة إنسان ينتظر أن يُرى بعدل، وأمانة ثقافة مؤسسية تتشكل من هذه اللحظات الصغيرة المتكررة. فكل تقييم يُجرى بلا عدل، لا يظلم موظفًا فقط… بل يُرسّخ في مؤسسة كاملة- بهدوء- ثقافة عدم الإنصاف دون أن تشعر، وكيف تترسّخ هذه الثقافة في تفاصيلها اليومية من حيث لا تقصد.

لذلك، ربما لا نحتاج إلى أن نُعيد تصميم أنظمة التقييم، بقدر ما نحتاج إلى أن نُعيد التفكير في معناها؛ أن نراها لا كأداة قياس فقط، بل كلحظة لقاء حقيقية: لقاء بين مؤسسة وإنسان، بين دور ومسؤولية، بين رقم وقصة. ففي هذه اللحظة الصغيرة- التي تحدث مرة في العام- قد تُبنى علاقة عمل لسنوات، وقد تُزرع ثقة طويلة الأمد… أو قد تُكسر بهدوء من حيث لا نشعر، لأن ما يبنيه المدير في التقييم… يبقى طويلًا بعد انتهاء الجلسة.

الأكثر قراءة

z