هل ما زالت المؤسسات تفكّر؟

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

في زمنٍ تُقاس فيه سرعة الاستجابة أكثر مما تُقاس جودة القرار، وتُكافأ فيه ردود الفعل أكثر مما يُكافأ التفكير، يبدو سؤال «هل ما زالت المؤسسات تفكّر؟» سؤالًا مشروعًا- لا من باب النقد- بل من باب القلق المهني الصادق؛ فالمؤسسات اليوم لا تعاني من نقص المعلومات، بل من فائضها؛ ولا من قلة المؤشرات، بل من ازدحامها؛ ولا من ضعف التواصل، بل من تسارعه إلى درجة تُربك القدرة على التمييز بين المهم والعاجل، وبين ما يستحق القرار وما يستحق الانتظار.

لم تعد المشكلة أن المعلومة لا تصل، بل أنها تصل بسرعة تفوق قدرة العقل المؤسسي على استيعابها، وتحليلها، ووضعها في سياقها الصحيح. ومع كل إشعارٍ جديد، وكل تقريرٍ عاجل، وكل «ترند» عابر، يتعرض القرار لضغط غير مرئي: أن يُتخذ الآن، لا أن يُفكَّر فيه. وهنا تبدأ المفارقة؛ فنحن نعيش في أكثر العصور ثراءً بالبيانات… وأكثرها فقرًا في التفكير العميق.

وفي هذا السياق، لا يصعب أن نجد مديرًا يُمضي يومه بين بريدٍ إلكتروني لا ينتهي، ورسائل فورية لا تتوقف، واجتماعات عاجلة تتلاحق، حتى يصبح التفكير نفسه نشاطًا مؤجَّلًا دائمًا. لا لأننا لا نريد التفكير، بل لأن البيئة لم تعد تمنحنا وقته. وهنا لا تكون المشكلة في الأشخاص بقدر ما تكون في الإيقاع الذي صُمّمت عليه المؤسسات الحديثة: إيقاع سريع، كثيف، تفاعلي… لكنه نادرًا ما يكون إيقاعًا تأمليًا.

هذا التحول لا يغيّر فقط طريقة العمل، بل يعيد تشكيل عقل المؤسسة نفسه. ما الذي نراه مهمًا؟ ما الذي نعتبره خطرًا؟ ما الذي نمنحه وقتًا، وما الذي نمرّ عليه مرور الكرام؟ ومن يحدّد هذه الأولويات فعلًا: الإدارة… أم الخوارزميات التي تصنع لنا جدول الاهتمامات دون أن نشعر؟

حين تُدار الأولويات بهذا الشكل، لا تصبح القرارات بالضرورة خاطئة، لكنها تصبح قصيرة النفس، سريعة الاستهلاك، ضعيفة القدرة على الاستدامة. نعالج الأعراض أكثر مما نعالج الأسباب، ونُطفئ الحرائق أكثر مما نمنع اشتعالها، ونُتقن إدارة الأزمة أكثر مما نُتقن منعها. وهكذا، تتحوّل الإدارة من فنّ صناعة المستقبل إلى مهارة التكيّف مع الحاضر فقط.

ولعل أخطر ما في هذا المسار أنه يُقنعنا تدريجيًا بأن هذا هو الطبيعي، وأن التفكير العميق ترف لا وقت له، وأن التروّي رفاهية لا تسمح بها وتيرة العصر. ومع الوقت، لا نفقد فقط قدرتنا على التفكير… بل نفقد حتى شعورنا بالحاجة إليه.

المفارقة أن المؤسسات لم تمتلك في تاريخها أدوات للمعرفة كما تمتلك اليوم، ولم تتوفر لها بيانات كما تتوفر الآن، ولم تُفتح أمامها نوافذ الاطلاع كما فُتحت في هذا العصر. ومع ذلك، يبدو أن القدرة على تحويل كل هذا إلى حكمة عملية، ورؤية طويلة المدى، وقرارات متأنية… هي ما يتراجع، لا ما يتقدّم.

ربما لا تحتاج المؤسسات إلى مزيد من الأنظمة، ولا إلى منصات أكثر، ولا إلى تقارير أطول. ربما تحتاج فقط إلى أن تُعيد الاعتبار لفعل بسيط أصبح نادرًا: أن تتوقّف قليلًا، وأن تُفكّر قبل أن تُقرّر، وأن تمنح العقل المؤسسي ما يحتاجه من وقت ومساحة ليقوم بوظيفته الأولى: الفهم قبل الفعل، والرؤية قبل الاستجابة، والمعنى قبل الإجراء.

فالسؤال الحقيقي ليس: هل لدينا معلومات كافية؟

بل: هل ما زال لدينا وقت كافٍ لنفهمها؟

الأكثر قراءة

z