خالد بن حمد الرواحي
لا تكاد تخلو خطة استراتيجية اليوم من كلمة «الابتكار». تُكتب في العناوين، وتُرفع في العروض التقديمية، وتُتلى في المؤتمرات بوصفها مفتاح المستقبل وطريق التميز. لكن السؤال الذي يهمس به الواقع- أكثر مما تصرخ به الخطابات- هو: لماذا يبدو الابتكار حاضرًا في اللغة… وغائبًا في السلوك؟
المفارقة أن كثيرًا من المؤسسات لا تعاني فقر الأفكار، بل فقر الجرأة على التعامل معها. فالأفكار موجودة، والمقترحات تُرفع، والمبادرات تُصاغ، لكن الطريق بينها وبين القرار غالبًا ما يطول، ويتعثر، ويضيع بين طبقات الحذر، وتراكم الموافقات، وخوف غير مُعلن من كلفة التجريب.
في بيئات إدارية تُقدّر الاستقرار، وتحسب أثر القرار بدقة- كما هو الحال في كثير من مؤسساتنا- يصبح الحذر قيمةً إيجابية في ذاته. لكنه حين يتحول من أداة توازن إلى منطق إدارة كامل، يبدأ في تعطيل ما يفترض أن يحميه: القدرة على التكيّف، وسرعة الاستجابة، وحيوية المؤسسة نفسها.
في العمق، ليست المشكلة في الابتكار ذاته، بل في ما يهزّه الابتكار داخل المؤسسة: يعيد ترتيب الأدوار، ويغيّر موازين السيطرة، ويكسر رتابة المسارات الآمنة، ويطرح أسئلة جديدة على أنظمة بُنيت لتدير الاستقرار أكثر مما تُدير التحول. وهنا يصبح الابتكار تهديدًا صامتًا… لا فرصة معلنة.
ولهذا، تتشكل داخل بعض المؤسسات معادلة غير مكتوبة: نتحدث عن الابتكار كي نبدو متقدمين، لكننا نُديره بحيث لا يُربكنا، ولا يغيّرنا كثيرًا، ولا يخرجنا من مناطق الأمان. فيتحول الابتكار من ممارسة إلى شعار، ومن مسار إلى ديكور لغوي جميل.
وهنا تبرز أهمية ألّا تبقى منظومات التقييم والتكريم محايدة تجاه الابتكار. وقد جاءت منظومات مثل «الإجادة» بخطوة إيجابية حين أدرجت تكريم «الموظف المُبتكِر» ضمن معاييرها، وطلبت من المسؤول المباشر ترشيحه تقديرًا لمبادرته وجهده المختلف. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة لا تكتمل إلا حين تتحول من إجراء تنظيمي إلى ثقافة مؤسسية يومية، تُشجّع الجرأة المحسوبة، والتجريب الواعي، والتفكير المختلف بوصفها سلوكيات مرغوبة لا استثناءات موسمية. فعندها فقط، لا يكون التكريم حافزًا فرديًا فحسب، بل إعادة تعريف ضمني لما تعتبره المؤسسة قيمة.
والكلفة الحقيقية لهذا الخوف لا تظهر فورًا. فلا تسقط مؤسسة لأن مبادرة لم تُنفّذ، ولا يفشل نظام لأن فكرة لم تُجرَّب. لكنها تظهر تدريجيًا في صورة أعمق: موظفون يتوقفون عن الاقتراح لأنهم تعلّموا أن الأفكار لا تعيش طويلًا، وعقول شابة تبحث عن بيئات تسمح بالخطأ قبل النجاح، وثقة داخلية تتآكل حين يشعر الناس أن التغيير يُقال أكثر مما يُفعل.
وفي زمن تتقدم فيه الدول والمؤسسات بقدرتها على تحويل الرؤية إلى ممارسة- لا الاكتفاء برفعها- تصبح الجرأة المنضبطة جزءًا من المسؤولية، لا نقيضًا لها. وهنا، تصبح رؤية عُمان 2040- بما تحمله من تأكيد واضح على الابتكار، والتحول المؤسسي، واقتصاد المعرفة- إطارًا داعمًا، واختبارًا عمليًا في آنٍ واحد لقدرتنا على الانتقال من خطاب التطوير إلى ثقافة التطوير، وهو انتقال يبدأ قبل كل شيء من إعادة تعريفنا لمعنى الابتكار نفسه.
الابتكار، في جوهره، ليس قرار تقنية، ولا منصة رقمية، ولا مسابقة أفكار موسمية. هو قرار شجاعة مؤسسية: أن نقبل ألّا نعرف كل شيء مسبقًا، وأن نُخطئ أحيانًا ونحن نتعلم، وأن نُغيّر ما اعتدناه حين يثبت أنه لم يعد يكفي.
وحين تمتلك المؤسسة هذه الشجاعة، يصبح الابتكار ممارسة يومية هادئة، لا شعارًا صاخبًا؛ ومسارًا تراكميًا، لا قفزة موسمية؛ وثقافة داخلية، لا حملة علاقات عامة. وعندها فقط… لا تعود المؤسسات بحاجة إلى أن تتحدث كثيرًا عن الابتكار- لأن الناس سيرونه، ويشعرون به، ويعيشونه.
