خالد بن حمد الرواحي
في كثيرٍ من المؤسسات الحكومية اليوم، يجري الحديث عن التحديث بوتيرةٍ سريعة؛ عن التحول، والتجديد، وإعادة الهيكلة، وتغيير النماذج، وتغيير العقليات. كل ذلك يبدو- في ظاهره- صحيًا، وضروريًا، ومطلوبًا. غير أن خلف هذا الحراك المتسارع، يتسلل سؤالٌ هادئ لا يُطرَح كثيرًا: ماذا نفعل بكل تلك السنوات الطويلة من الخبرة التي راكمناها؟ وأين تذهب حين لا تجد لها مكانًا واضحًا في خريطة المستقبل، ولا موقعًا مُعرّفًا في مسار التغيير نفسه؟
تتصرف بعض الجهات- من حيث لا تقصد- وكأن الخبرة عبءٌ بطيء في زمن السرعة، وكأن الذاكرة المؤسسية عائقٌ أمام المرونة، وكأن من أمضى سنواته في بناء الفهم والتجربة أصبح أقل ملاءمة لعصر التحول. فيُدفَع أصحاب الخبرة إلى الهامش تدريجيًا؛ لا لأنهم غير قادرين، بل لأن النموذج السائد لم يعد يرى في العمق قيمةً توازي السرعة، ولا في التراكم أصلًا يوازي الحداثة. ومع الوقت، لا نخسر أشخاصًا فحسب… بل نخسر سردية المؤسسة عن نفسها، ومنطق قراراتها، وأسباب نجاحاتها وإخفاقاتها.
وفي المقابل، يُحمَّل جيل الشباب أكثر مما ينبغي. يُطلَب منه أن يبتكر، ويقود، ويُصلِح، ويُحدِث القفزات الكبرى؛ وأن يفعل ذلك بسرعة، وبثقة، وبلا أخطاء تُذكَر. وكأن الحماس وحده كافٍ ليعوض ما بُني عبر عقود، وكأن الطاقة يمكن أن تحل محل الحكمة، لا أن تُكملها. وهنا لا يكون الخلل في الشباب، بل في التوقعات التي نضعها عليهم حين نُفرغ الطريق من ذاكرته، ونطلب منهم أن يسيروا فيه وحدهم.
ومن هنا، لا تكون المشكلة في تغييب الخبرة فقط، بل في أننا لا نُحوّلها إلى معرفةٍ مُنظَّمة قابلةٍ للنقل. فالتجربة التي لا تُوثَّق، ولا تُشرَح، ولا تُنقَل، تذوب مع الوقت، وتغادر مع أصحابها، وتترك المؤسسة تبدأ من جديد- لا لأن البدء أفضل، بل لأن الاستمرار لم يُصمَّم له أن يكون ممكنًا.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى الشباب أم إلى الخبرة؟ بل: هل صمّمنا منظوماتٍ تسمح لهما أن يعملا معًا؟ أن يرسم أحدهما الطريق، وأن يقطعه الآخر بطاقةٍ متجددة؟ وأن يتحول الفرق بين الجيلين من فجوةٍ إلى جسر، ومن صراعٍ خفيّ إلى شراكةٍ واعية؟
المستقبل لا يُبنى بالحماس وحده، كما لا يُحفظ بالحكمة وحدها. المستقبل المتين هو ذاك الذي يحمل ذاكرته معه، لا الذي يقطعها باسم السرعة. وهو الذي يعرف أن كل مؤسسة تحتاج جيلًا يرى بعيدًا لأنه رأى طويلًا… وجيلًا يسير سريعًا لأنه ما زال في بدايات الطريق.
وربما لا نحتاج إلى أن نُبطئ التغيير نفسه، بل إلى إبطاء وتيرة التفكير فيه قليلًا لنُحسنه. أن نسأل: ماذا نُغيّر؟ وماذا نحفظ؟ ومن نُشرك؟ لأن المؤسسات التي تعرف كيف تتغير دون أن تفقد ذاكرتها… هي وحدها القادرة على أن تتغير دون أن تفقد نفسها.
