فايزة سويلم الكلبانية
يُعدّ محور التَّواصل الاجتماعي والتشتت الذهني أحد أبرز المحاور التي أتطرق إليها في رسالتي البحثية للدكتوراه، ضمن دراسة أوسع تناقش تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي في تشكيل الرأي العام، (رؤية عُمان 2040 نموذجًا)، فهذا التأثير لم يعد محصورًا في نقل المعلومة أو صناعة التوجهات، بل تجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل الوعي الفردي، والتحكم في الانتباه، وإعادة برمجة العقول بآليات خفية تقودها الخوارزميات.
في إحدى المرات، دخل أحدهم إلى تطبيق من تطبيقات التواصل الاجتماعي "لدقائق قليلة" قبل النوم، لم يكن يبحث عن شيء مُحدد، ولم يكن يحمل نية واضحة، تمرير سريع، ثم مقطع، ثم آخر، ثم إشعار، ثم نقاش افتراضي، وعندما رفع رأسه، كانت الساعات قد انقضت، وموعد النوم فات، والتركيز تلاشى، والذهن أُنهك دون أي إنجاز حقيقي. هذه ليست حالة فردية، بل نموذج يومي يتكرر مع ملايين المستخدمين حول العالم، فالدخول إلى وسائل التواصل الاجتماعي اليوم لا يتطلب قرارًا واعيًا، بل يكفي أن تفتح التطبيق لتجد نفسك غارقًا فيه، تُقلب المحتوى بلا شعور، ويُسرق الوقت دون إدراك.
منصات مثل فيسبوك، إنستجرام، تيك توك، سناب شات، إكس، يوتيوب، ريديت وغيرها، لم تُصمَّم لتكون مُحايدة، بل بُنيت على خوارزميات ذكية هدفها إبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة داخل المنصة، عبر محتوى مُتدفِّق، مُحفِّز، وسريع الإيقاع. هذه البيئة الرقمية، وإنْ كانت قد فتحت أبوابًا واسعة للربح، وصناعة المحتوى، والتسويق، والدخل المشروع لمن يستخدمها بوعي واتزان، إلّا أنها في المقابل خلقت حالة عامة من التشتت الذهني والإدمان السلوكي لدى فئات واسعة من المجتمع.
الأخطر من ذلك ما يحدث على مستوى الأطفال وصغار السن، فبدافع التدليل أو بدافع "مجاراة العصر"، يُغرق بعض أولياء الأمور أبناءهم بهواتف ذكية عالية القيمة، وتطبيقات مفتوحة بلا ضوابط، في عُمر لم تتشكل فيه بعد منظومة القيم ولا مهارات التركيز ولا الانتماء المجتمعي. فيكبر الطفل وهو مبرمج رقميًا، مرتبط بالألعاب والمنصات، ضعيف الاندماج الاجتماعي، قليل الصبر، سريع التشتت، وتحت سيطرة محتوى لا يُراعي نموه النفسي أو الأخلاقي، وقد أدى هذا الواقع في بعض الحالات إلى سلوكيات خطرة، بل وجرائم ارتُكبت في ظل فقدان التركيز والوعي، وتأثر مباشر بمحتوى رقمي عنيف أو محرض.
إدراكًا لهذه المخاطر، اتجهت بعض الدول إلى التقنين، فقد دخل قانون تعديل السلامة على الإنترنت الذي أقرته الحكومة الأسترالية حيّز التنفيذ مع نهاية العام المنصرم، وشمل منصات تواصل اجتماعي كبرى من بينها "ريديت"، و"إكس"، و"إنستجرام" التابعة لشركة "ميتا"، و"يوتيوب" التابعة لـ"ألفابت"، و"تيك توك" المملوكة لـ"بايت دانس"، وأُلزمت هذه المنصات بتطبيق آليات صارمة للتحقق من العمر، بما يمنع من هم دون 16 عامًا من إنشاء حسابات، مع فرض غرامات قد تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي على الشركات المخالفة.
إنَّ التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في رفض وسائل التواصل الاجتماعي أو محاربتها، بل في إعادة ضبط علاقتنا بها، وتعزيز الوعي الرقمي، وبناء استخدام متزن يضع الإنسان في موقع السيطرة لا التلقي؛ فالتواصل الاجتماعي أداة، والذكاء الاصطناعي وسيلة، أما العقل البشري فيجب أن يبقى هو القائد لا الضحية.
