خالد بن سالم الغساني
أعاد الجدل الذي رافق منحة كبار السن ضمن أنظمة الحماية الاجتماعية طرح أسئلة جوهرية تتجاوز حدود القرار الإداري نفسه، لتلامس عمق فهمنا للعدالة الاجتماعية، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ومعنى «الحق» في مقابل «المعونة»؛ فالقضية، في جوهرها، ليست منحة شهرية بقدر ما هي مرآة لثقافة عامة مأزومة في تعاملها مع السياسات الاجتماعية.
عندما أقرت الحكومة في مرحلتها الأولى منح كبار السن مبلغًا شهريًا دون تمييز على أساس الدخل، كانت تنطلق، وذلك هو المنطق الطبيعي، صراحة أو ضمنًا، من مبدأ الشمول. أي أن كِبَر السن بحد ذاته معيار كافٍ للاستحقاق؛ باعتباره مرحلة عمرية تستوجب الحماية والتقدير وردّ الاعتبار، وليست حالة معسرة تستحق المساعدة أو حالة فقر تستدعي الإغاثة. وهذا التوجه هو الذي ينسجم مع فلسفة الحماية الاجتماعية الحديثة، التي ترى في بعض الفئات- كالأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة- فئاتٍ ذات حقوق مكتسبة، لا موضوعات لفحص الحاجة أو التفتيش في الموارد.
غير أنَّ النقاش العام سرعان ما انزلق إلى مسار آخر. فقد ارتفعت أصوات في مزايدات عجائبية، تنتقد «عدم التمييز» وتساءل أصحابها عن حاجة المليونير إلى هذه المنحة؟ ولماذا لا تُوجَّه الأموال إلى الباحثين عن عمل أو الأسر الأشد فقرًا؟ ورغم أن هذه الأسئلة تبدو ظاهريًا، منطقية وحريصة على المال العام، إلا أنها تنطوي على خلط خطير بين مفهومين مختلفين، وهما الحماية الاجتماعية بوصفها سياسة حقوقية شاملة، والمساعدات الاجتماعية بوصفها برامج استهداف للفقر.
الاعتراض لم يكن على جدوى المنحة أو أثرها، بل على «استفادة غير المحتاج»، وكأن وجود حالة واحدة لا تنطبق عليها صورة الفقر التقليدية كافٍ لنزع الشرعية عن السياسة بأكملها. هذا المنطق لا يقود إلى عدالة، بل إلى انتقائية ضيقة، تجعل من كل حق مشروط، ومن كل سياسة عامة عرضة للتشكيك بحجة وجود من «لا يستحق» وفق التصورات الفردية.
وللأسف، وتحت ضغط هذا الخطاب، راجعت الحكومة قانون الحماية الاجتماعية، وأدخلت معيار دخل كبير السن شرطًا للحصول على المنحة. وهنا انتقل النظام من فلسفة الشمول إلى فلسفة الاستبعاد، ومن الحق إلى المساعدة المشروطة. وكانت النتيجة متوقعة، وهي خروج عدد كبير من المستفيدين الذين كانوا يعتمدون على هذا المبلغ ولو جزئيًا، في تسيير شؤونهم، وظهور موجة جديدة من الانتقادات، هذه المرة بسبب الإقصاء لا الشمول.
المفارقة أن الطرفين المتعارضين في هذا الجدل ينطلقان من المنطق ذاته، منطق إدارة الندرة لا منطق بناء العقد الاجتماعي. فبدلًا من السؤال عن حجم الموارد وأولويات الإنفاق ضمن رؤية شاملة، يجري اختزال النقاش في مقارنة بين مستحقين، وكأن العدالة لا تتحقق إلا بحرمان فئة لصالح أخرى.
الحقيقة أن الإشكال الأكبر لا يكمن في القرار الأول ولا في تعديله، بل في الثقافة العامة التي ترى في الحماية الاجتماعية عبئًا ماليًا يجب تضييقه، لا استثمارًا اجتماعيًا يحقق الاستقرار ويصون الكرامة. ثقافة تُحوّل الحقوق إلى صدقات، وتطالب دائمًا بالمزيد من الشروط، دون إدراك أن كثرة الشروط تفرغ السياسات من معناها، وتحوّلها إلى مصدر دائم للتذمر والسخط.
إن السؤال الذي كان يجب أن يُطرح منذ البداية هو: ما الغاية من نظام الحماية الاجتماعية؟ هل هو مجرد إدارة للفقر، أم تعبير عن التزام الدولة تجاه مواطنيها في مختلف مراحل حياتهم؟ ما لم يُحسم هذا السؤال على مستوى الوعي العام، ستظل كل سياسة ومهما حسنت نواياها، موضع جدل، لا لأنها خاطئة بالضرورة، بل لأننا نناقشها بمنطق العقوبة لا بمنطق الحق.
ويبقى السؤال الأجدر بالطرح في ختام هذا الجدل: هل كان التراجع عن مبدأ الشمول وإعادة النظر في النظام خطوة نحو عدالة اجتماعية أعمق، أم مجرد استجابة آنية لضغط خطاب شعبوي خلط بين الحق والمعونة؟ وهل يجوز أن تتحول منحة وُجدت أصلًا لحماية كبار السن- بوصفهم فئة عمرية مستحقة- إلى مساعدة مشروطة تُقصيهم واحدًا تلو الآخر، وكأن التقدم في العمر لم يعد سببًا كافيًا للحماية؟ ثم أي منطق هذا الذي يخرج كبار السن من مظلة الحماية الاجتماعية، وهم أولى الناس بها، ليُعاد تصنيفهم وفق معايير الفقر والدخل، لا وفق معيار الكرامة والاستحقاق؟
