لا باحثين عن عمل في عُمان بعد 2028

 

ناجي بن جمعة البلوشي

هذا ما يجب أن يستوعبه كل عاقل حين يقرأ ما يُحيط به من معلومات نشرتها وزارة العمل في لقاء التواصل الإعلامي لعام 2026؛ حيث صرح معالي وزير العمل أن عدد الباحثين عن عمل في سلطنة عُمان حتى نوفمبر 2025 يتراوح بين 74 إلى 76 ألف باحث عن عمل، وقد وضعت الوزارة خطة لتوظيف 60 ألف باحث عن عمل في كل عام من أعوام خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة (2026- 2030)؛ أي بمجموع إجمالي 300 ألف فرصة عمل للعُمانيين، كما أكد معاليه ما قد سبق وأن صرح به في لقاء تلفزيوني سابق أن عدد الخريجين الملتحقين بسوق العمل يتراوح بين 30 إلى 35 ألف متخرج كل عام.

وإذا بدأنا بالحساب الآن، فإننا نستنتج أن مجموع 76 ألفًا إضافة إلى 35 ألفًا، يعني أن لدينا حوالي 111 ألف باحث عن عمل في العام 2026، وحيث إن الوزارة ستوفر 60 ألف فرصة عمل، فإن الرقم المتبقي من المعادلة يكون 51 ألفًا يُرحَّل إلى العام 2027، مع رقم خريجي ذات العام، ليصل المجموع مجددًا إلى 86 ألفًا. بدورها الوزارة ستقلص هذا الرقم بعد توظيف 60 ألفًا في العام 2027؛ ليصبح العدد الحقيقي للباحثين عن عمل في بداية العام 2028 هو 26 ألفًا فقط، قبل أن يُضاف إليهم عدد المنضمِّين إلى سوق العمل في النصف الأخير من العام؛ ليصبح المجموع 61 ألفًا يتم توظيفهم في نفس العام حسب المعمول به في خطة خلق فرص العمل.

بعدها ندخل العام 2029 بلا باحثين عن عمل؛ بل ويكون السوق في انتظار الملتحقين به من الخرجين في نهاية شهر يونيو وما بعده.

وهذا إن حصل فعلًا فإننا نكون قد انتقلنا إلى مرحلة جديدة من اقتصاد سوق العمل تسمى مرحلة التشغيل الكامل، هذه المرحلة التي لا يكون فيها باحثون عن عمل بالمعنى الحقيقي، لكنها ستخلق نوعًا جديدًا من الباحثين عن عمل؛ منها ما يسمى تعريفًا بـ"البطالة الاحتكاكية" المعنية بالتخيير بين وظيفة وأخرى، ومع وجود التقانة الحديثة والذكاء الاصطناعي، فإن البطالة الهيكلية سيكون لها وجود. هنا علينا أن نُدرك المستقبل بوضع حلول لها قبل وصولها إلى أرقام كبيرة.

ومن بين هذه الحلول: إعادة التأهيل والتدريب المستمر على مهارات جديدة تتوافق مع الوظائف الرقمية والذكية والتعامل مع الروبوتات والتقنيات وانترنت الأشياء بدل الوظائف التي اختفت أو ستختفي. والانتقال بالتعليم وتطويره وربطه بسوق العمل وتحديث المناهج لتشمل البرمجة والمواد العلمية الصريحة من الصفوف الأولى، وتحليل البيانات وقراءة المؤشرات، والتفكير النقدي وابتكار الحلول، واضافة المهارات الرقمية المتقدمة كمواد أساسية، إلى جانب الحث والتشجيع على التعلم مدى الحياة؛ وذلك بتشجيع الكل على ذلك، مع فتح معاهد وحاضنات تدريب مستقبلية تساعدهم على تحديث مهاراتهم باستمرار لمواكبة التطور التكنولوجي السريع.

كما نقترح وضع الحلول المناسبة لمساعدة العاملين في وظائف ليس بها مهارات تتناسب مع ما في القطاعات التقنية العاملة بالذكاء الاصطناعي والصناعات الإبداعية ودمجهم فيها. ودعم التحول المهني، من خلال مساعدة العمال على الانتقال من مهن تقليدية إلى مهن حديثة، عبر الإرشاد المهني والحوافز أو وضعهم في ذات المهن مع استخدام الآلة والأجهزة التقنية المتقدمة للتطوير. ووضع سياسات حكومية داعمة مثل: برامج التدريب الممول أو المقدر للشركات والمصانع، ومنح الأمان الوظيفي خلال فترات الانتقال الوظيفي للأفراد.

ومما سبق فإننا نرى هذه مقترحات لتحديات مستقبلية يجب علينا التبصُّر فيها قبل حدوثها؛ حيث إن انتقال السوق إلى التشغيل الكامل، هو في حد ذاته عمل يُشكر عليه الوزارة والقطاع الخاص وكل من ساهم في إنجاحه بجهود جبارة لإنهاء الملف المؤرِّق لنا جميعًا، والذي يلقى متابعة حثيثة من لدن المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- والذي أسدى توجيهاته في هذا الشأن برفع فرص العمل من 30 ألفًا إلى 60 ألفًا، وإنهاء هذا الملف في أقرب وقت ممكن.

ولا ريب أن وجود هذا المستقبل الذي سنراه قريبًا يُحتِّم على وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، والهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، ووزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، ووزارة الطاقة والمعادن، رفع مستوى الاستثمارات كل في قطاعه واختصاصه، بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد، وبإشراف من مكتب نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية لحلحلة كل ما يقف أمام تلك الاستثمارات؛ فهي المُسرِّعة على تقليص المدة الزمنية لإنهاء ملف الباحثين عن عمل، وبها نصل إلى بلوغ الانتقال الاقتصادي المرجو للوطن والمواطن.

الأكثر قراءة

z