خالد بن حمد الرواحي
في كثير من المؤسسات، لا يبدأ الإرهاق من حجم المهام، ولا من ضغط الجداول، ولا من كثرة الاجتماعات، بل من شيء أقل وضوحًا وأقرب إلينا مما نظن: المناخ الذي نعمل فيه كل يوم؛ فهناك أماكن لا تُرهقك بما تطلبه منك، بل بما تمنعك عنه: أن تتكلم بطمأنينة، أن تُخطئ بأمان، أن تكون نفسك دون أن تراقب كل كلمة وكل حركة، وفي هذه البيئات لا يخاف الموظف من العمل… بل من الكلام، ولا يتعب من الإنجاز… بل من الحذر الدائم.
يصبح الصمت أكثر أمنًا من الرأي، وتتحول الملاحظة الصغيرة إلى مشروع قلق، ويغدو الخطأ- مهما كان بسيطًا- أكبر حضورًا من كل ما سبقه من جهد، ومع الوقت لا تنخفض الطاقة لأن الحمل ثقيل، بل لأن الروح نفسها تنكمش؛ فيدخل الإنسان إلى يومه الوظيفي لا متعبًا، بل متحفّظًا، لا مرهقًا، بل متوجّسًا، وحين يصل الموظف إلى هذه المرحلة فغالبًا لا تكون المشكلة فيه… بل في المكان الذي لم يَعُد يتّسع له.
أحيانًا لا يظهر ذلك في أزمات كبيرة، بل في تفاصيل صغيرة جدًا: موظف يُمسك رسالة بريدية قبل إرسالها لدقائق طويلة، يعيد قراءتها مرة بعد مرة، لا لأنه غير متأكد من مضمونها، بل لأنه غير متأكد من أثرها.
وفي كثير من الأحيان، لا تتفكك فرق العمل بسبب خلافات حقيقية بين أفرادها، بل بسبب طريقة انتقال المعلومة داخلها؛ كلمة تُقال، أو انطباع يُنقل، أو ملاحظة تُرفع… ثم تتحول - دون تحقق - إلى أساس قرار، وإلى عدسة يُنظر من خلالها إلى شخص ما، فتتغير المعاملة دون أن يعرف أحد لماذا، وهنا تبدأ الشكوك لا لأن الناس تغيّروا، بل لأن العدالة غابت من المشهد، وأصبح الكلام أقوى من الحقيقة.
ومع الوقت، لا تنهار الثقة لأن الزملاء سيئون، بل لأن النظام الذي يدير العلاقة بينهم لم يَعُد يميّز بين السماع والفهم، ولا بين النقل والتحقق، فتتحول القيادة - دون أن تقصد - من مصدر أمان إلى مصدر قلق، ومن مساحة عدل إلى مساحة حذر، ويصبح الاستماع - بدل أن يكون بابًا للفهم - بابًا لفقدان الثقة، ولتآكل الأمن النفسي داخل الفريق.
وفي هذا المناخ، لا تُبنى العلاقات على الاحترام المتبادل فقط، بل كثيرًا ما تُحمَّل بحاجات نفسية غير متكافئة، فلا يعود التقدير مهنيًا خالصًا، بل يتداخل فيه القرب والرضا والانطباع، فيتحول العمل بهدوء من مساحة إنتاج إلى مساحة طلب: طلب قبول، وطلب اهتمام، وطلب طمأنة، ومع هذا التحول يتبدل الميزان الداخلي للإنسان؛ فلا يعود يرى نفسه من خلال ما يُقدّم، بل من خلال كيف يُنظر إليه.
هذا النوع من البيئات لا يُنتج علاقات صحية، بل علاقات هشة، قائمة على القلق أكثر من الثقة، وعلى التعلّق أكثر من التقدير، ومع الوقت لا تتآكل فقط جودة العمل؛ بل تتآكل صورة الإنسان عن نفسه، ويصبح الرضا الخارجي بديلاً عن التوازن الداخلي.
ثم تأتي المفارقة الأكبر: لسنا نعاني غالبًا من غياب الأفكار، ولا من نقص المبادرات، بل من شيء أبسط وأخطر هو تأجيل الفعل؛ نعرف ما يجب فعله، نراه، نتفق عليه، ندوّنه في الخطط، ثم نتركه مؤجلاً حتى يفقد لحظته، أو يفرض نفسه كأزمة بدل أن يكون قرارًا.
وهكذا تتشكّل بيئة العمل، لا من قرار واحد كبير، بل من آلاف التفاصيل الصغيرة: كيف نسمع، كيف نتحقق، كيف نُقدّر، كيف نؤجل، وكيف نُوازن بين القرب والعدالة، وبين المعرفة والفعل، وهذه التفاصيل لا تُكتب في اللوائح، لكنها تُكتب يوميًا في نفوس العاملين، ومنها - وحدها - يُصنع المكان الذي يُنبت الإنسان… أو يستهلكه ببطء، بينما هو يبتسم.
