إزالة الصورة من الطباعة

تعقيدات الاستحقاق الانتخابي

<p style="text-align: right;">عبيدلي العبيدلي</p> <p style="text-align: right;"><br /> تأتي انتخابات برلمان 2018 في ظروف قاسية ومُعقَّدة لم تعرف ساحة العمل السياسي البحريني مثيلا لها منذ انطلاقة المشروع الإصلاحي. ويستمد هذا التعقيد مقومات فرض شروطه على المشهد السياسي البحريني من مصادر ثلاثة، يصعب القول بتغيرها خلال الفترة القصيرة المقبلة التي تفصل المواطن البحريني عن موعد تحديد موقفه من المشاركة في التصويت أو الإحجام عنه.<br /> المصدر الأول مصدره التعقيد التي تشهده الأوضاع السياسية البحرينية، بفضل فعل العوامل التالية:<br /> 1- تصاعُد الأزمة العربية-الإيرانية، خاصة بين العواصم الخليجية الرئيسة من جهة، وطهران من جهة ثانية. يصاحبها عدم وضوح الموقف الأمريكي منها، والذي لا يزال مُمسِكا بالعصى من الوسط، محاولا -قدر المستطاع- عدم استفزاز الطرف العربي الخليجي، سوية مع الاحتفاظ بشعرة معاوية مع نظيره الإيراني. وليس هناك ما يشير إلى تحول في هذا الموقف الأمريكي، قبل أوان الاستحقاق الانتخابي الذي بات على الأبواب.<br /> 2- الأزمة الخليجية بكل تداعياتها السياسية التي اندلعت مؤخرا، والتي لم يتوقع لها أن تستمر طيلة هذه الفترة. فقد كانت التوقعات تذهب للقول بأنها لن تكون سوى سحابة صيف عابرة، لن تلبث أن تنقشع عن سماء العلاقات الخليجية الداخلية المستقرة. ودون الحاجة للخوض في تفاصيلها، فالأهم اليوم هو التوقف عند تلك التداعيات التي تترك بصماتها السلبية الواضحة على هامش الحرية الذي يمكن للمواطن البحريني أن يستمتع به عند الحديث عن المشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها.<br /> 3- اشتداد الاحتقان السياسي على المستوى الوطني الداخلي، بفضل استمرار حضور ذيول أحداث 2011 في العلاقات القائمة بين أطراف مكونات العمل السياسي البحريني بمستوياتها المختلفة، وفي مقدمتها ضيق هامش الحريات السياسية، التي أباح فسحتها المشروع الإصلاحي. هذا الضيق يلقي بظلاله على قرار المشاركة والإدلاء بالصوت في صندوق الاقتراع، أو الإحجام عن ذلك، خاصة في ظل غياب بعض اللاعبين الأساسيين عن ساحة العمل السياسي، بما فيها المشاركة في آليات الاستحقاق الانتخابي.<br /> المصدر الثاني الذي يضاعف من اشتداد قسوة الظروف المحيطة بعملية الاستحقاق الانتخابي، ينبع من الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالمنطقة والتي لم يسبق لها بديل منذ الارتفاع في أسعار النفط في السبعينيات من القرن الماضي؛ سواء خلال الحرب الإيرانية-العراقية، أو حتى إبان غزو الكويت في مطلع التسعينيات من القرن الماضي. خطورة هذه الأزمة هي احتمال تصاعدها من جانب، وطول أمدها من جانب آخر، الأمر الذي سيضع ظروف المعيشة في المنطقة على كف عفريت، ويجعل الاستحقاق الانتخابي عملية هامشية تفقد الكثير من أهميتها أمام الاستحقاقات الاقتصادية التي ستفرزها هذه الأزمة. فمن غير المتوقع أن تشهد أسعار النفط ازدهارًا كما عرفته خلال الثلاثين سنة الأخيرة من القرن العشرين. وبالمقابل، ستبخِّر الحروب الطاحنة القائمة والمقبلة نسبة عالية من الفوائض النفطية التي تم توفيرها إبان الطفرة في الأسعار.<br /> المصدر الثالث -وربما يكون الأهم بينها جميعًا- هو التشظي المجتمعي، الذي لم يعد محصورا في البحرين، فحسب، بل الأكثر حضورا فيها، بفضل عوامل كثيرة؛ من بين الأهم فيها: طبيعة التركيبة السكانية البحرينية من جهة، والعلاقات الحميمة التي نظمت الروابط بين مختلف مكونات المجتمع البحريني لما يزيد على قرون من جهة ثانية. فلم تعد تلك العلاقات، تنعم اليوم بذلك التآلف الذي عرفته على مدى قرون، سبقت الحالة التي أصبحنا نشهدها اليوم.<br /> كل هذه الأمور تضع المواطن البحريني، ومن ورائه القوى السياسية بمختلف تلاوينها وانتماءاتها العقائدية، أمام خيارات صعبة، عندما يتعلق الأمر بالموقف من الاستحقاق الانتخابي، نحصرها في السلوكيات التالية:<br /> - لعق الجراح، والقفز فوق آلام الواقع الحالي، والمشاركة في انتخابات 2018، سواء بترشيح بعض الرموز التي تسمح الظروف القائمة بترشيحها، والعمل، بكل ما في الوسع من أجل إيصالها، أو البعض منها إلى قبة البرلمان، او حتى وضع ورقة بيضاء في صناديق الاقتراع. وليس هناك من في وسعه أن ينكر، أن القبول بأيٍّ من هذين الخيارين، يحتاج جرأة سياسية غير معهودة، وقرار في غاية الصعوبة يتم اتخاذه، كما أشرنا في ظل ظروف معقدة.<br /> - عدم القدرة على الإقدام على تلك الخطوة، ومن ثم اللجوء إلى المقاطعة الإيجابية، بمعنى عدم الاقتراع، دون الدعوة العلنية، أو التجييش الواضح من أجل المقاطعة؛ بهدف الوصول لما يُعرف باسم &quot;تبييض صناديق الاقتراع&quot;، أو خفض نسبة المشاركة إلى أدنى نسبة ممكنة. لكن استخدام الوسائل الأخرى كافة التي تحقق الوصول إلى ذلك الهدف. وهذا يتطلب، بغض النظر عن نوايا أصحابه، استثارة النعرات الطائفية، وتحويل مجرى الصراع من مساره الطبيعي، إلى طرق ثانوية، بل وملتوية. وتكون محصلته توسيع نطاق الفجوة الطائفية المدمرة لمكونات المجتمع البحريني، بغض النظر عن النجاحات الشكلية المموهة التي قد يحصل عليها هذا الطرف او ذاك مكونات العمل السياسي البحريني.<br /> - القبول بأن الظروف القائمة غير ملائمة للذهاب إلى صناديق الاقتراع، ومن ثمَّ الركون إلى ما يمكن وصفه بالمقاطعة السلبية، التي تكتفي بالوقوف على قارعة طريق الاستحقاق الانتخابي، دون السير فيه، ودون دعوة الآخرين لتحاشي المشي فيه أيضا. هذا الموقف قد ينشر داخل النفس شيئا من الارتياح، لكنه بالمعايير السياسية البراغماتية يجرد مكونات العمل السياسي من أداة، هي البرلمان، بوسعها أن تمارس دورا إيجابيا في حال وصول العناصر المؤهلة إلى قبة ذلك الصرح المجتمعي، الذي يعد ركنا أساسيا من أركان عملية التحول الديمقراطي، مهما شابه من تراجعات في مراحل معينة من مسيرته.<br /> لكن تلك التعقيدات، رغم كل ما تفرزه من سلبيات، وتثيره من عقبات، مقياسا أصيلا لقدرة أي من مكونات العمل السياسي البحريني، على اللجوء إلى الخيار الأفضل في مثل هذه الظروف الصعبة.<br /> ومنطق الأمور، وتاريخ الشعوب وتجاربها، ومن بينها الشعب البحريني، يقولان إن الخيار الأفضل اليوم، وفي ظل الظروف القائمة هو الخيار الأول، رغم الثمن الباهظ الذي ستدفعه القوى التي قد يطالبها شارعها ومناصريها بعدم اللجوء إليه.<br /> لكن ربان السفينة الماهر القادر على تمييز نفسه عن ذلك العادي، هو الذي يقود سفينته نحو شاطئ الأمان في الظروف الصعبة دون غيرها، وبخلاف غيره. والأمر ذاته ينطبق على القائد السياسي الفذ الذي يهدف لتمييز نفسه عن ذلك العادي.</p>