محمد رامس الرواس
لقد أدرك العمانيون منذ القرون الفائتة أهمية موقعهم الجغرافي الاستراتيجي المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، فانطلقوا بسفنهم شرقًا وغربًا، وكان الساحل الأفريقي واحدًا من أهم المحطات التي وصلوا إليها.
ولم تكن علاقة العُمانيين بشرق أفريقيا علاقة تجارة عابرة؛ فقد نشأت عبر حركة السفن والموانئ والأسواق شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وأسهمت الخبرة البحرية ومهارة الربابنة والتجار العُمانيين في ترسيخ ذلك الحضور.
والعُماني قديمًا لم يكن يحمل تجارته وحدها، وإنما حمل معه قيم التعامل والتسامح والقدرة على التعايش مع المجتمعات التي وصل إليها، وهو ما أسهم في بناء روابط إنسانية تجاوزت مفهوم التجارة إلى تواصل حضاري استمر أثره عبر الأجيال.
وتأتي زيارتا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- إلى جمهوريتيْ أنجولا وبوتسوانا حيث لم تكن السلطنة تتجه إلى أفريقيا بوصفها قارة بعيدة أو فضاءً اقتصاديًا جديدًا عليها، بل كانت، في جانب من المشهد، تعود إلى امتداد جغرافي وحضاري عرفه العُمانيون منذ قرون، حين جعلوا من المحيط الهندي طريقًا للتجارة والتواصل، ومن السواحل الأفريقية جسورًا للتعارف والمصالح المشتركة.
وقد جاءت الزيارتان لتعزيز المصالح المشتركة وفتح مجالات أوسع للتعاون، فيما برزت في بوتسوانا قطاعات التعدين والطاقة والاستثمار والخدمات اللوجستية والأمن الغذائي والزراعة ضمن مجالات التعاون التي ناقشها الجانبان.
ومن هنا يمكن قراءة الزيارة السامية إلى أفريقيا ليس فقط من خلال حاضر العلاقات الدولية، وإنما في سياق تاريخ عُماني طويل ارتبط بالعلاقات الدولية والتجارة والانفتاح على الشعوب والأمم والحضارات.
وإذا كان جزء كبير من التاريخ العُماني قد ارتبط بصورة واضحة بشرق أفريقيا وسواحلها، فإنَّ زيارة جلالة السلطان إلى بوتسوانا وأنجولا تحمل دلالة مهمة؛ فهي توسع دائرة التواصل العُماني الأفريقي من المسارات التاريخية الساحلية إلى آفاق أرحب داخل القارة وفي جنوبها. وهنا تبدو العلاقة بين الماضي والحاضر لافتة؛ فالعُمانيون بالأمس بحثوا عن الأسواق والفرص عبر المحيط، والسلطنة اليوم تبحث عن الشراكات والاستثمارات والتكامل الاقتصادي من خلال أدوات الدولة الحديثة.
تغيرت السفن، وتغيرت وسائل النقل، وتغيرت طبيعة الاقتصاد العالمي، لكن بقيت الفكرة العُمانية حاضرة: الانفتاح على العالم وبناء المصالح من خلال التواصل والشراكة.
وفي بوتسوانا، عكست المباحثات هذه الرؤية بوضوح؛ إذ تناولت مجالات الطاقة المتجددة والتعدين والاستثمار واللوجستيات والأمن الغذائي والزراعة، ثم توجت الزيارة بتوقيع تسع وثائق ثنائية شملت مجالات من بينها الطاقة والمعادن والاستثمار والتجارة والصناعة والخدمات، وهذه المجالات وغيرها تضع العلاقة مع أفريقيا في إطار اقتصادي مُعاصر يقوم على الاستثمار والقيمة المضافة ونقل المعرفة وتنويع الشراكات.
الاستثمار العُماني في أفريقيا لا ينبغي أن يقتصر على ضخ الأموال، وإنما يتوجب عليه نقل المعرفة والتقنية، وتنمية الكفاءات المحلية، وتحقيق قيمة مضافة مشتركة، من خلال استثمارات جهاز الاستثمار العُماني، وصندوق «جسور للابتكار»، والاستثمارات العُمانية الخارجية، باعتبارها أدوات يمكن أن تسهم في تعميق العلاقات الاقتصادية.
إنَّ زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم إلى بوتسوانا وأنجولا يمكن النظر إليها باعتبارها محطة جديدة في مسار عُماني قديم ومتجدد؛ مسار يرى في أفريقيا شريكًا للتنمية، وفي الجغرافيا فرصة، وفي العلاقات بين الشعوب أساسًا للمصالح المستدامة.
