مصادر إيرانية: الضغوط الاقتصادية الحالية هي الأشد في تاريخ إيران

 

 

طهران - الوكالات

تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية متزايدة توصف بأنها من أشد الأزمات التي مرت بها البلاد منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، في ظل تزامن العقوبات الأمريكية المشددة مع القيود المفروضة على صادرات النفط، وتراجع قدرة طهران على الوصول إلى العملات الأجنبية وتمويل وارداتها والالتفاف على العقوبات، وفق مصادر إيرانية وإقليمية تحدثت إلى وكالة رويترز.

وتشير المصادر إلى أن الاقتصاد الإيراني، الذي تمكن على مدى سنوات من التكيف مع العقوبات عبر شبكات تجارية ومالية بديلة، يواجه هذه المرة اختبارًا أكثر صعوبة، بعدما أصبحت قنوات الحصول على العملة الصعبة والتمويل الخارجي واستيراد السلع الأساسية أكثر محدودية وكلفة.

وبحسب رويترز، فإن الضغوط الحالية لا تقتصر على تراجع الإيرادات النفطية، وإنما تمتد إلى قدرة الحكومة على توفير احتياجات السوق المحلية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من نقص بعض الواردات الأساسية، بما في ذلك الوقود والقمح.

وتأتي الأزمة الحالية نتيجة ما تصفه المصادر بضربة اقتصادية مزدوجة؛ فمن جهة، أدت القيود المفروضة على صادرات النفط إلى تقليص أحد أهم مصادر العملة الأجنبية بالنسبة إلى طهران، ومن جهة أخرى، أدت العقوبات الثانوية وتشديد الرقابة على شبكات الالتفاف على العقوبات إلى رفع تكلفة التجارة الخارجية.

وكانت صادرات الخام الإيرانية قد تراجعت بصورة حادة خلال الفترة الأخيرة. ووفق بيانات نقلتها رويترز عن شركة «كبلر»، انخفضت عمليات تحميل الخام الإيراني إلى نحو 260 ألف برميل يوميًا خلال سبتمبر، مقارنة بنحو 1.7 مليون برميل يوميًا قبل عام.

وفي تقرير منفصل، أشارت رويترز إلى أن إيران لم تتمكن، منذ منتصف يوليو، من تمرير شحنات نفط خام ذات أهمية عبر مضيق هرمز، الأمر الذي أدى إلى استنزاف مخزونات النفط العائمة وتقييد قدرة طهران على إعادة تكوين إيراداتها من صادرات الخام.

ويظهر أثر الأزمة بصورة مباشرة في العملة والأسعار. فقد تراجع الريال الإيراني إلى مستويات قياسية، متجاوزًا حاجز 2.2 مليون ريال مقابل الدولار، مقارنة بنحو مليون ريال للدولار قبل عام، وفق بيانات نقلتها رويترز.

كما بلغت معدلات التضخم السنوية نحو 69.9 بالمائة وفق الأرقام الرسمية، بينما ارتفعت أسعار الأغذية والمشروبات والتبغ بوتيرة تقارب ضعف معدل التضخم العام، ما يزيد الضغط على القوة الشرائية للأسر الإيرانية.

وتقول رويترز إن متوسط الأجر الشهري للعاملين يبلغ نحو 125 دولارًا، في حين تصل النفقات الأساسية للأسرة إلى نحو 450 دولارًا شهريًا وفق بيانات رسمية، وهو فارق يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الأسر في الحياة اليومية.

ولا تتوقف المخاوف عند انهيار العملة وارتفاع الأسعار، إذ بات تأمين السلع الأساسية يمثل تحديًا متزايدًا للحكومة.

وأفادت مصادر إيرانية لرويترز بأن مخزونات البنزين قد لا تكفي سوى لنحو شهرين، رغم أن إيران منتج كبير للنفط، بسبب محدودية قدرات التكرير وحاجتها إلى استيراد جزء من احتياجاتها من الوقود.

كما أصبح القمح من بين السلع التي تثير القلق، في ظل اعتماد إيران جزئيًا على الواردات لتغطية احتياجاتها الغذائية، وتعرض طرق التجارة الإقليمية لضغوط بسبب الحرب والقيود المفروضة على حركة الشحن.

وتشير تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى أن إجمالي التجارة الإيرانية تراجع بما يتراوح بين 25 و35 بالمائة، مع تضرر الواردات بصورة أكبر من الصادرات.

ويزيد تعقيد الوضع اضطراب أحد أهم المراكز التجارية التي تعتمد عليها إيران، إذ أعلنت الإمارات في أغسطس وقف التعاملات التجارية والمالية مع طهران حتى إشعار آخر، وفق ما أوردته رويترز.

ويعني ذلك أن الشركات الإيرانية أصبحت مضطرة إلى البحث عن مسارات بديلة لإتمام معاملاتها، وهو ما يرفع التكلفة ويؤخر وصول السلع. وقال أحد التجار الإيرانيين لرويترز إن المورد يحتاج إلى الحصول على أمواله مقدمًا، بينما تمر الصفقة عبر دولة أخرى وتصل الشحنة في وقت لاحق وبسعر أعلى.

ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن تتحول الضغوط الاقتصادية إلى ورقة تجبر طهران على تقديم تنازلات سياسية أو استراتيجية؟

وتقول مصادر إيرانية وإقليمية إن ذلك لا يزال غير محسوم. فبينما باتت الحكومة الإيرانية تواجه صعوبة أكبر في تحمل الضغوط، لا توجد مؤشرات مؤكدة على استعدادها للتخلي عن مطالبها الأساسية، خصوصًا ما يتعلق برفع العقوبات، والوصول إلى الأصول المجمدة، وترتيبات أمنية خاصة بمضيق هرمز.

لكن رويترز أفادت بوجود صيغة جديدة قيد البحث بين وسطاء وإيران بهدف التوصل إلى مخرج للأزمة، في مؤشر على أن المسار الدبلوماسي لا يزال قائمًا رغم التصعيد الاقتصادي والعسكري.

وتكتسب الأزمة الاقتصادية بعدًا استراتيجيًا بسبب ارتباطها بمضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

كانت طهران تراهن على أن يؤدي اضطراب الملاحة في المضيق إلى إحداث صدمة في أسواق الطاقة العالمية، بما يدفع الولايات المتحدة إلى تخفيف الضغوط والعودة إلى التفاوض. إلا أن الأسواق العالمية تمكنت حتى الآن من التكيف جزئيًا مع الاضطرابات، واستمرت إمدادات بديلة في الوصول إلى الأسواق.

وبحسب تحليل رويترز، أدى ذلك إلى تغير نسبي في ميزان الضغط؛ إذ باتت إيران تتحمل أضرارًا اقتصادية متزايدة دون أن تتمكن من إحداث الصدمة العالمية التي كانت تراهن عليها لإجبار واشنطن على تقديم تنازلات.

ورغم شدة الأزمة، لا يعني تدهور المؤشرات الاقتصادية بالضرورة قرب حدوث انهيار سياسي في إيران.

فطهران تمكنت على مدى عقود من تطوير آليات للتكيف مع العقوبات، كما أن القيادة الإيرانية تنظر إلى الضغوط الاقتصادية باعتبارها جزءًا من صراع أوسع مع الولايات المتحدة، وقد تفضل تحمل خسائر اقتصادية كبيرة بدل تقديم تنازلات تعتبرها تمس أمنها القومي أو نفوذها الإقليمي.

وفي المقابل، يرى مسؤولون ومراقبون أمريكيون وإقليميون أن استمرار التضييق على صادرات النفط والعملات الأجنبية والواردات قد يؤدي إلى اتساع الضغوط الشعبية، وزيادة الانقسامات داخل دوائر صنع القرار، وربما إعادة إشعال احتجاجات اجتماعية بسبب تدهور مستويات المعيشة.

وبذلك تجد إيران نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: اقتصاد يتعرض لضغط غير مسبوق، وعملة تفقد قيمتها، وتضخم يلتهم الدخول، وصعوبة متزايدة في استيراد الاحتياجات الأساسية، مقابل قيادة لا تزال متمسكة بمواقفها السياسية والاستراتيجية.

ومع طرح الوسطاء صيغة جديدة للحل، قد تكون المرحلة المقبلة اختبارًا حاسمًا لمدى قدرة طهران على الاستمرار في تحمل الضغوط، وما إذا كانت الأزمة الاقتصادية ستتحول في النهاية إلى عامل يدفع نحو التفاوض، أم إلى سبب لمزيد من التصعيد والمواجهة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z