الخوارزميات.. والدخل والمعاشات والباحثين عن عمل

 

 

 

سالم بن نجيم البادي

 

عاد ضحي بعد غياب طويل، من بين الجبال. وضحي مواطن بسيط جدًا، وطيب جدًا، إلى حد السذاجة، ومشغول بقضايا الناس البسطاء.

 

ولا يفهم في لغة الرياضيات التي صار بينه وبينها عداء شديد، منذ أن أذاقه معلم الرياضيات في صغره صنوفًا من العذاب؛ من الضرب بالمسطرة الخشبية أو العصا على ظهر يده، إلى إدخال إصبعه الإبهام تحت اللسان والضغط عليه بقوة، وغير ذلك من أساليب العقاب، إذا عجز عن حل مسألة رياضيات على السبورة، أو إذا حضر ذات يوم إلى الصف وهو لم ينجز في المنزل واجب الرياضيات.

 

وحين كبر والتحق بالتعليم العالي، صار يهرب من مقرر الإحصاء الإجباري، ويؤجله كثيرًا، ثم يسجله وهو خائف، وكأنه داخل إلى معركة مصيرية، حياة أو موت.

 

ودارت السنين، وصار يسمع كثيرًا بكلمة «الخوارزميات». وحين أراد أن يعرف كيفية حساب معاشات التقاعد، اصطدم بمصطلحات الرياضيات، ولم يستطع فهم تلك المصطلحات، فسأل كثيرًا، لكنه لم يجد جوابًا شافيًا.

 

وحين تحدثوا عن منافع صندوق الحماية الاجتماعية، تكررت مصطلحات الرياضيات ذاتها. وحتى عندما قاموا بإحصاء عدد الباحثين عن عمل، استخدموا الخوارزميات والوسيط والمتوسط والمنوال.

 

وكانت الطامة الكبرى عندما أعلنت إحصائية دخل الفرد في عُمان باستخدام الخوارزميات والمتوسط، فكان المبلغ، في نظر ضحي وكثير من الناس، غير واقعي ولا يصف واقع دخل الأسرة في عُمان، الأمر الذي أثار استياءً واسعًا بين الناس.

 

ولغة الرياضيات هي التي أخبرتهم، كما يقول ضحي، بأن الحد الأدنى للأجور، وهو 325 ريالًا، مبلغ كافٍ لحياة كريمة للموظف العُماني، وأن منفعة كبار السن، وهي 115 ريالًا، كافية لهؤلاء، حتى الذين لا دخل لهم غير هذه المنفعة.

 

إن هذه الأرقام، من وجهة نظر ضحي، ترسم واقعًا ورديًا ومثاليًا لا يشبه الواقع إطلاقًا.

 

وضحي وأمثاله لا يعنيهم كثيرًا ماذا قالت الخوارزميات والمتوسطات، ولا كيف خرجت الأرقام من المعادلات والحسابات؛ هم يريدون أن يلمسوا ذلك في الواقع، وأن تتحسن ظروفهم المالية، وأن يجد أبناؤهم وظائف تدر دخلًا مناسبًا لمواجهة متطلبات الحياة المعاصرة، التي أصبحت أكثر تعقيدًا وارتفاعًا في تكاليفها.

ويريدون أن يحصل المتقاعد على معاش يكفيه للعيش بكرامة، بعد أن أفنى سنوات عمره في العمل والمساهمة في نهضة بلده.

ويريدون أن ينظر بعين العطف والرحمة إلى كبار السن الذين قد لا تكفيهم 115 ريالًا لتسيير شؤون حياتهم.

ويريدون أن تراجع منافع صندوق الحماية الاجتماعية بين فترة وأخرى، حتى تتماشى مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتغيرة، فالأرقام والاحتياجات ليست ثابتة، وما كان مناسبًا في وقت قد لا يكون مناسبًا في وقت آخر.

ويرى ضحي أيضًا أنه قد حان الوقت للنظر في رواتب الموظفين، التي لم تتحرك منذ العام 2011، في ظل تغير تكاليف المعيشة وتزايد الالتزامات والأعباء.

وقال ضحي، بعد أن تكلم بما في نفسه: هذا ما فعلته بنا الخوارزميات!

ثم أضاف: فرفقًا بنا أيتها الخوارزميات.

وسكت، وأخذ طريقه عائدًا إلى عزلته الاختيارية بين الجبال، بعيدًا، بعيدًا عن حسبة الخوارزميات والمتوسطات.

الأكثر قراءة

z