الرؤية- سارة العبرية
أكد خالد بن محمد آل خليفين، صاحب مشروع صناعات سعف النخيل والرئيس التنفيذي بشركة "عُمان بي في سي" في ولاية إبراء بمحافظة شمال الشرقية، أن فكرة تحويل مخلفات سعف النخيل إلى منتجات صناعية مثل بديل الخشب الطبيعي والأبواب والمنتجات الخشبية، وألواح الديكورات، انطلقت من إيمان راسخ بأن التحديات البيئية يمكن أن تتحول إلى فرص اقتصادية واعدة إذا ما جرى توظيف الابتكار بالشكل الصحيح، موضحا أنه خلال متابعته للكميات الهائلة من مخلفات سعف النخيل التي كانت تُحرق أو تُهدر سنوياً، أدرك أن هذه الثروة الطبيعية يمكن أن تكون أساساً لصناعة وطنية متطورة، بدلاً من أن تمثل عبئاً بيئياً.
وذكر -في حوار مع "الرؤية"- أن رحلة البحث والتجارب والتطوير استمرت لسنوات طويلة، حتى تم التوصل إلى ابتكار تركيبة صناعية جديدة تقوم على تحويل سعف النخيل إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية عالية، تُوّجت بالحصول على براءة اختراع، مشيرا إلى أن هذا الابتكار العُماني يفتح آفاقاً جديدة أمام الصناعات المستدامة، ويقدم نموذجاً عملياً للاقتصاد الدائري الذي تسعى إليه "رؤية عُمان 2040".

مراحل التحويل
وأوضح آل خليفين أن عملية التصنيع تبدأ من المزارع؛ حيث تُجمع مخلفات النخيل من المواطنين مقابل مبلغ رمزي، ثم تُعالج وفق معايير فنية دقيقة، وبعد ذلك، تُحوّل المخلفات إلى مادة أولية تدخل في عمليات تصنيع متقدمة تعتمد على تقنيات حديثة وخطوط إنتاج متخصصة، مبينا أن المادة تمر -بعد طحنها بشكل دقيق- بعدة مراحل ومن أبرزها الخلط مع مواد أخرى داخل خلاط مركزي يعمل على مرحلتي التسخين والتبريد، إضافة إلى المعالجة الحرارية، ثم تُنقل الخلطة إلى خطوط إنتاج مخصصة لصهر المواد كافة وتجانسها، قبل سحبها وضغطها داخل قوالب مختلفة، وصولاً إلى إنتاج الألواح والأبواب والديكورات وبديل الخشب، وكذلك المنتجات الإنشائية المتنوعة، التي تتميز بالقوة والمتانة والجودة العالية، كما أن المنتجات تخضع في المرحلة الأخيرة لفحوصات جودة للتأكد من مطابقتها للمواصفات الفنية المطلوبة قبل طرحها في الأسواق.
وقال آل خليفين إن ما يُميّز منتجات المشروع يتمثل في الجمع بين الاستدامة والابتكار والجودة، موضحاً أنها منتجات صديقة للبيئة مصنوعة من مواد معاد تدويرها، وتتمتع بمقاومة عالية للرطوبة والحشرات والتآكل والعوامل الجوية القاسية، فضلاً عن توفير عزل حراري وصوتي جيد، والحاجة إلى صيانة أقل مقارنة بالعديد من البدائل التقليدية، مضيفا أن هذه المنتجات تسهم في تقليل الاعتماد على الأخشاب الطبيعية، وتدعم التوجه العالمي نحو المنتجات الخضراء، ما يجعلها خياراً يجمع بين الجوانب الاقتصادية والبيئية.

تعزيز الاقتصاد الدائري
وأكد خالد آل خليفين أن المشروع يُمثل تحولاً في طريقة التعامل مع مخلفات النخيل؛ إذ يتيح تحويلها من مواد تُحرق وتتسبب في التلوث البيئي إلى مواد خام تدخل في صناعات متعددة، وتولد قيمة اقتصادية وفرص عمل واستثمارات جديدة، موضحا أن المشروع لا يقتصر على إعادة تدوير مخلفات زراعية، وإنما يستهدف تأسيس صناعة وطنية قائمة على استثمار الموارد المحلية وتحويلها إلى منتجات قادرة على المنافسة إقليمياً وعالميا، ومن شأن التوسع في هذه الصناعة أن يعزز الفوائد البيئية والاقتصادية والاجتماعية التي تعود على المجتمع والاقتصاد الوطني.
وتابع قائلا: "رؤية المشروع منذ البداية تجاوزت حدود السوق المحلي، مع الحرص على تلبية احتياجات السوق العُماني وتعزيز المحتوى المحلي، بالتوازي مع العمل على بناء علامة صناعية عُمانية قادرة على المنافسة في الأسواق الخليجية والعالمية، والطلب العالمي على المنتجات المستدامة يشهد نمواً متسارعاً، ما يمنح منتجات المشروع فرصاً للانتشار خارج سلطنة عُمان، وهناك خطط للتوسع والتصدير وإقامة شراكات استراتيجية، بما يسهم في تقديم الابتكار العُماني نموذجاً للصناعات المستدامة في المنطقة".

حجم الاستثمار
وأوضح آل خليفين أن حجم الاستثمار الحالي في المشروع يبلغ نحو نصف مليون ريال عُماني، ويشمل شراء المعدات وخطوط الإنتاج وتجهيز المباني، مؤكدا أن هذا النوع من المشاريع يمثل فرصة استثمارية استراتيجية، لكونه يجمع بين الاستدامة البيئية والعائد الاقتصادي، كما أن سلطنة عُمان تمتلك أعداداً كبيرة من أشجار النخيل ومصدراً مُستداماً للمواد الخام، الأمر الذي يمنح هذه الصناعة ميزة تنافسية.
وأضاف أن المشروع يمكن أن يسهم في إيجاد وظائف مباشرة وغير مباشرة، وتحفيز الصناعات التحويلية، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، إلى جانب تقليل الاعتماد على المواد المستوردة، لافتا إلى أن سلطنة عُمان تمتلك المقومات اللازمة لتصبح مركزاً إقليمياً للصناعات القائمة على إعادة تدوير مخلفات النخيل، ليس في صناعة الأبواب والديكورات فقط، وإنما في مجموعة واسعة من المنتجات الصناعية والإنشائية المستقبلية.
وقال أيضا: " الابتكار ليس رفاهية بل ضرورة لصناعة المستقبل، وما بدأ كفكرة لمعالجة مخلفات سعف النخيل أصبح مشروعاً يحمل رسالة بيئية واقتصادية وحضارية، وأنا أطمح إلى انتشار هذا الابتكار العُماني عالمياً، وإسهامه في بناء اقتصاد أخضر مستدام يحقق قيمة مضافة للوطن والأجيال القادمة".
وبيّن أن الحصول على براءة الاختراع وتسجيل إنجاز عالمي في موسوعة غينيس شكّلا خطوة مهمة في مسيرة المشروع، مؤكداً أن طموحه الحقيقي يتمثل في تحويل هذا الابتكار إلى صناعة وطنية رائدة، تضع سلطنة عُمان في مقدمة الدول المستفيدة من مواردها الطبيعية بأساليب مبتكرة ومستدامة.





