حمود بن علي الطوقي
بعد بوتسوانا، تأتي أنجولا محطة جديدة في التحرك العُماني نحو القارة الأفريقية، حيث تفتح زيارة الدولة التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- آفاقًا اقتصادية واسعة، وتعزز مع فخامة الرئيس جواو لورينسو، رئيس جمهورية أنجولا، مسارًا من التعاون يقوم على الثقة وتكامل المصالح والتطلع إلى المستقبل.
وتمنح حزمة الاتفاقيات التي تتجاوز قيمتها 1.5 مليار دولار أمريكي، بحسب المعلومات المنشورة من التواصل الحكومي، هذا التقارب وزنًا اقتصاديًا ملموسًا. فهي تفتح المجال لتوسيع الاستثمارات العُمانية في الطاقة والصناعة، ودعم الأمن الغذائي، وزيادة الصادرات غير النفطية، وتعزيز حضور السلطنة الاقتصادي في القارة الأفريقية.
وبوصفي متابعًا للشأن الاقتصادي، أقرأ في هذه الزيارة رؤية تستشرف مكانة الأسواق الأفريقية في اقتصاد المُستقبل، وتربط الحضور الدبلوماسي بأدوات مالية واستثمارية تدعم التنمية. ففي عهد النهضة المتجددة، تمضي عُمان بفكرة واضحة ورؤية وثبات، لفتح مسارات جديدة أمام شركاتها واستثماراتها، بما يخدم تنويع مصادر الدخل ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني.
ولعُمان جذور تاريخية عميقة في القارة الأفريقية تعود إلى قرون مضت؛ فقد امتد حضور الإمبراطورية العُمانية إلى سواحل شرق أفريقيا، ووصلت حركة التجار والقوافل العُمانية إلى مناطق البحيرات العظمى، فنشأت روابط تجارية واجتماعية وثقافية في تنزانيا وكينيا ورواندا وبوروندي والكونغو وبقيت شواهدها حاضرة. وفي عهد الدولة البوسعيدية، تعززت هذه الصلات، وأصبحت زنجبار مركزًا مهمًا للتجارة والتواصل بين أفريقيا وموانئ المحيط الهندي، ضمن شبكة علاقات ربطت عُمان بشعوب وبلدان عديدة.
وحمل هذا التاريخ تجارب إنسانية في التعايش والتفاعل الثقافي والمصاهرة، أسهمت في توثيق الروابط بين العُمانيين والمجتمعات الأفريقية. ونستحضر اليوم من هذا الإرث قيم التقارب والاحترام المتبادل، وما رسخته الدولة البوسعيدية من حضور وعلاقات واسعة مع مختلف شعوب العالم، لبناء شراكات مُعاصرة تقوم على التكافؤ وتبادل المنافع.
ويأتي اليوم الانفتاح على أنجولا ليوسع هذه الآفاق نحو الجنوب الغربي للقارة، ضمن اهتمام عُماني بأفريقيا يتجاوز نطاق القرن الأفريقي وشرق القارة إلى أسواق أخرى تحمل فرصًا واعدة. وتؤكد حصيلة الزيارة أنَّ هذا التوجه بدأ يتخذ شكل اتفاقيات ومؤسسات ومشروعات ترتبط بأولويات التنمية في البلدين.
وقد شهد جلالة السلطان المُعظم وفخامة الرئيس الأنجولي مراسم تبادل خمس اتفاقيات وثماني مذكرات تفاهم، إلى جانب برنامج تنفيذي للتعاون الفني وعقد لإعادة تأهيل وتحديث وتوسعة شبكة توزيع المياه في مقاطعة لواندا. وتعكس هذه الحزمة تنوع مجالات الشراكة، من تهيئة البيئة الاستثمارية إلى الطاقة والخدمات اللوجستية والزراعة والبنية الأساسية.
وتبرز اقتصاديًا أهمية اتفاقية إزالة الازدواج الضريبي في مُعالجة جانب مؤثر في قرارات المستثمرين، فيما توفر اتفاقية النقل الجوي إطارًا لتطوير الربط وتسهيل حركة الأعمال والسياحة. كما تتيح مذكرات ترويج الاستثمار والتعاون بين غرفتي التجارة والصناعة قنوات لتعريف الشركات بالفرص وبناء علاقات مباشرة بين مجتمعي الأعمال.
وفي قطاع الطاقة، تفتح التفاهمات المتعلقة بالشراكات المحتملة في قطاعات المنبع والوسط والمصب، وخدمات وتقنيات حقول النفط، مجالات لتوظيف الخبرات لدى الجانبين. ويبرز كذلك التوجه إلى تطوير مشروع للطاقة المتجددة بقدرة 500 ميجاواط، مزود بنظام لتخزين الطاقة بالبطاريات، باعتباره فرصة تجمع الاستثمار والتقنية وتلبية احتياجات التنمية، مع استكمال الدراسات والترتيبات التنفيذية والتمويلية اللازمة.
أما عقد تطوير شبكة المياه في لواندا، فيمنح التعاون بُعدًا تنمويًا مباشرًا لارتباطه بخدمة أساسية في حياة الناس. وتزداد قيمة هذه المشروعات حين تقترن بنقل المعرفة وتأهيل الكفاءات وتوفير فرص العمل، بما يُعزز استدامة عوائدها الاقتصادية والاجتماعية.
وفي الجانب العُماني، يبرز دعم الأمن الغذائي ضمن المكاسب المستهدفة من الشراكة؛ إذ يتيح التعاون في الزراعة والثروة الحيوانية دراسة فرص لتنويع مصادر الإمداد وبناء استثمارات وسلاسل توريد أكثر استقرارًا. كما أن فتح السوق الأنجولية أمام المنتجات والخدمات العُمانية يمكن أن يدعم نمو الصادرات غير النفطية، ويوسع قاعدة المستفيدين من هذا التقارب لتشمل الشركات الصناعية والخدمية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وتأتي الخطوة الأبرز ماليًا بالإعلان في لواندا عن تأسيس «البنك الأفريقي العُماني» (ABO)، ليمنح الشراكة ركيزة مؤسسية تدعم حركة رأس المال والتجارة والاستثمار. وفي تقديري، فإن أهمية البنك تكمن في توفير أدوات مالية تساعد الشركات على تحويل الفرص المتاحة إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، وتسهّل تعاملاتها في أسواق تحتاج إلى معرفة وخبرة وشراكات موثوقة.
ويتزامن هذا التوجه مع أولويات «استراتيجية أنجولا 2050» في تنويع الاقتصاد وتطوير البنية الأساسية وفتح القطاعات الإنتاجية أمام الاستثمار الدولي. وهنا تبرز مساحة للتكامل مع ما تمتلكه السلطنة من خبرات في الموانئ والخدمات اللوجستية والطاقة والمناطق الاقتصادية، بما يتيح بناء شراكات تمتد إلى الإنتاج والتصنيع والتوزيع ونقل المعرفة.
ومن هنا، نأمل أن تبادر غرفة تجارة وصناعة عُمان إلى تسيير وفد اقتصادي رفيع المستوى إلى أنجولا، يضم كبار رجال الأعمال وممثلي القطاعات ذات الأولوية، بالتنسيق مع جهاز الاستثمار العُماني والجهات المعنية، والاستفادة من الدور المرتقب للبنك الجديد. ومن المهم أن يحمل الوفد فرصًا مدروسة ولقاءات محددة وبرنامج متابعة يقود إلى مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ، بعد أن مهدت الزيارة السامية أرضية التعاون.
كما نتطلع إلى تعزيز الحضور الدبلوماسي بين سلطنة عُمان وأنجولا من خلال فتح سفارتين مقيمتين في مسقط ولواندا، أسوة بما أُعلن عنه عقب الزيارة الأخيرة للرئيس الرواندي إلى السلطنة بشأن فتح سفارتين في مسقط وكيجالي؛ فمن شأن هذه الخطوة دعم متابعة الاتفاقيات، وتيسير التواصل بين المؤسسات، وخدمة المستثمرين، بما يمنح الشراكة الاقتصادية زخمًا متواصلًا ويقرّب الفرص من مجتمعي الأعمال.
لقد فتحت الزيارة السامية آفاقًا واسعة، وبدأت أدوات الشراكة المالية والمؤسسية تتشكل. وتبقى مسؤولية المرحلة المُقبلة في تحويل الاتفاقيات إلى استثمارات منتجة، وصادرات متنامية، وفرص عمل، وسلاسل إمداد تدعم الأمن الغذائي. وبرؤية جلالة السلطان هيثم بن طارق، والتطلع المشترك مع الرئيس جواو لورينسو، تتهيأ العلاقات العُمانية الأنجولية لمرحلة تجعل التنمية ثمرة ملموسة للثقة والتعاون بين البلدين.
