نحو رؤية جديدة ودور إستراتيجي للمنطقة الاقتصادية بالدقم

 

 

 

 

محمد بن عيسى البلوشي **

قبل أكثر من 14 عامًا، وفي سياق طرح إعلامي تحليلي ضمن برنامج تدريبي بمركز الجزيرة للإعلام، بلورتُ سؤالًا استراتيجيًا أخذ أبعادًا وجودية في تقرير صحفي مفصل نشرتُه إحدى الصحف المحلية: "ما هو مستقبل صادرات النفط إذا ما تعرضت الملاحة في مضيق هرمز لأي اختناقات جيوسياسية؟ وهل تشكل الدقم البديل الاستراتيجي للأمن الاقتصادي الإقليمي؟".

​اليوم، وبعد انقضاء أكثر من عقد ونيف، أثبتت التحولات المتسارعة في المشهد الدولي صحة ذلك الاستشراف المبكر؛ إذ لم تعد المخاطر مجرد فرضيات، بل تجسدت في تحديات جيواقتصادية ألقت بظلالها على سلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية. غير أنَّ الطرح اليوم يتجاوز مجرد البحث عن "ممر آمن للطوارئ"، لنشهد ميلاد واقع جديد يرسخ سلطنة عُمان ليس فقط كبوابة جغرافية للخليج العربي، بل كمركز ثقل لوجستي واقتصادي يربط بين خطوط التجارة العالمية عبر بناء أكبر مدينة اقتصادية متكاملة خارج المضايق البحرية في منطقة الشرق الأوسط. 

لقد بذلت الحكومة العُمانية على مدى سنوات طويلة جهودًا استثنائية في وضع القواعد الأساسية للمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم. وإننا لننظر بكل تقدير واعتزاز إلى تلك الجهود الوطنية المخلصة التي يقودها المهندسون المبدعون وفرق التخطيط والتنفيذ التي حولت المخططات الهندسية من أروقة الدراسة إلى صرح اقتصادي وشاخص عالمي. إلّا أنَّ متطلبات المرحلة التنافسية المقبلة تستدعي الانتقال بالمنطقة من النمط الإداري إلى آفاق الإدارة الاستثمارية التنافسية.

​ الرؤية الاستراتيجية لتطوير الدقم تعتمد على حوكمة مؤسسية مُتقدمة تُفرّق بدقة بين "التنظيم والتشريع" و"التشغيل والاستثمار"؛ حيث يبرز مقترح إنشاء شركة عُمانية متخصصة، تتولى إدارة وتطوير وتشغيل المنطقة بالكامل بأدوات وأساليب القطاع الخاص، مستفيدة من أفضل التجارب الإقليمية والدولية الناجحة في إدارة الموانئ والمناطق الحُرة والتجمعات الاقتصادية الكبرى. وفي المُقابل، تظل الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة المظلة السيادية والتنظيمية والمشرّع المرجعي للمخطط العام. هذا الفصل المنهجي يمنح الكيان التشغيلي حرية اتخاذ القرار التجاري والسرعة المطلوبة للاستجابة لمتطلبات الأسواق العالمية، بينما يحافظ للقطاع الحكومي على دوره الرقابي والاستراتيجي. 

​والزيارة السامية الكريمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- العام المنصرم الى المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم تحمل دلالات استراتيجية عميقة؛ فهي تؤكد بوضوح جلي أنَّ هذا الملف يقع في رأس أولويات الأجندة الوطنية ورؤية "عُمان 2040". كما أنها ترسل رسالة طمأنة وتأكيد لبيوت المال والاستثمار العالمية حول رعاية القيادة السياسية المباشرة لتوفير بيئة استثمارية آمنة ومستقرة، ومزودة بالممكنات التي تجعل من استثماراتهم مشروعات مستدامة وذات عائد تنافسي مرتفع.

​وفي قلب هذا التحول الصناعي واللوجستي الهائل، تقف "حديقة الصخور بالدقم" شاهدة على رؤية نوعية تتكامل فيها التنمية الاقتصادية مع صون الموارد الطبيعية؛ إذ تُعد هذه الحديقة أعجوبة جيولوجية، وتُصنّف كواحدة من أندر الحدائق الصخرية الطبيعية وأبرز المواقع الجيولوجية ذات الأهمية العلمية على مستوى الشرق الأوسط والعالم.

وتتجلى العناية السامية الاستثنائية بهذا الموقع المنفرد منذ أن تولى جلالته- أعزه الله- إشرافه المباشر على قطاع التراث والثقافة، حيث وُضعت الأطر لحمايتها وصونها كرمز للتنوع الجيولوجي العُماني. وما سؤال جلالته السامي لهذا الكنز الجيولوجي خلال زيارته الأخيرة إلا تأكيد راسخ على حرص السلطنة على تحقيق التوازن الدقيق بين النهضة الاستثمارية الحديثة والحفاظ على الهوية البيئية والتراثية الفريدة للوطن.

** إعلامي وباحث اقتصادي

الأكثر قراءة

z