عندما تتحول المقررات الاختيارية إلى إجبارية

 

 

 

 

أ. د. حيدر بن أحمد اللواتي **

 

يقف التعليم الأكاديمي المعاصر أمام مأزق يُهدد جوهر رسالته؛ ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون الجامعة مصنعًا للعقول المبتكرة والشخصيات الفريدة، نجد أن نظام المناهج الإلزامية المُوَحَّدة تُنتج أعدادًا غفيرة من الخريجين الذين يحملون نسخًا مُتشابهة من المهارات والمعارف؛ إذ يخرج الطلاب إلى سوق العمل وكأنهم نتاج خط إنتاج آلي: يتشابهون في طريقة التفكير، ومحدودون بحدود التخصص الدقيق، وهو ما يُسمى بـ"نمطية المخرجات الأكاديمية".

ولتجاوز هذا الانسداد، اتجهت الأنظمة التعليمية المتقدمة إلى تبني رؤية أكثر مرونة تتجلى في توسيع نطاق المقررات الاختيارية، فلم تُصمَّم هذه المقررات لتكون مجرد مساحات إضافية لاستكمال الساعات الدراسية، بل أُوجدت كأداة استراتيجية تتجاوز حدود التخصص الضيق لتُحقق غايات أكاديمية عميقة، فهي تُعزز التكامل بين العلوم؛ إذ إن المعضلات الحديثة لا تُحل من منظور تخصصي واحد، فدراسة طالب الهندسة للأخلاقيات، أو طالب الطب لتحليل البيانات، أو طالب الاقتصاد لعلم النفس السلوكي تُوجِد عقلية قادرة على الربط بين الحقول المعرفية المختلفة، كما تُنمِّي هذه المُقرَّرات المهارات الناعمة والإدراكية كالتفكير التحليلي والتكيف، وتُشكِّل مساحة أمان تجريبية يستكشف فيها الطالب شغفه المهني المستقبلي، فضلًا عن بناء الوعي المجتمعي، ومنح المؤسسة مرونة عالية لمواكبة التطورات العلمية المتسارعة دون الحاجة لخوض تعقيدات إقرار تخصصات جديدة.

​إلّا أنه وتحت ضغط تقليص النفقات وإعادة ضبط الميزانيات المالية، تلجأ بعض المؤسسات الأكاديمية الى الخيار الأسهل وذلك عبر تقزيم المقررات الاختيارية وطرح مواد اختيارية محدودة، وبذلك تضمن تسجيل أعداد غفيرة من الطلاب في تلك المقررات الاختيارية المطروحة.

​إنَّ اللجوء إلى تقليص المقررات الاختيارية بحجة تقليص الميزانية يمثل خطرًا يضرب الفلسفة التعليمية برُمَّتها في مقتل، ويُفرِغ مفهوم "الاختيار" من كل معانيه الجوهرية؛ فقيمة المادة الاختيارية لا تكمن في وجودها المجرد، بل في وجود تعددية حقيقية تتيح للمتعلم صياغة مساره المعرفي الخاص، فحين تُخيِّر الكلية الطالب الذي ينتمي لها بين مادتين أو ثلاث مواد شائعة فقط، فإنها تُمارس قسرًا غير مباشر؛ إذ يتحول "المقرر الاختياري" إلى مقرر إجباري مُقنَّع، يُفرَض على الجميع لعدم وجود بدائل مُتخصِّصة تُلبِّي ميولهم وتطلعاتهم التنافسية.

​تتجلى خطورة هذا التجريف المالي في تفكيك كافة الأهداف التي أُوجدت من أجلها المقررات الاختيارية، فعندما تَقِل الخيارات، يتلاشى التكامل المعرفي؛ إذ تجد أعدادًا هائلة من الطلاب يندفعون مجبرين نحو نفس المساقات لمجرد تكملة الساعات المطلوبة، كما تضيع فرصة استكشاف الشغف، وتتلاشى مرونة الجامعة في مواكبة التحولات المعرفية، لتتحول المساحة التي كان يُفترض أن تكون منتجة للابتكار والتميز الفردي إلى مجرد أرقام تُسجل في كشوفات الحضور.

​ويتفاقم هذا الخلل حين يلجأ الطالب بدوره الى "سلوك القطيع" والبحث عن المواد السهلة أو المساقات التي ترفع معدله التراكمي بأقل جهد، بدلًا من المغامرة في علوم جديدة، لتكتمل الحلقة المفرغة وتفقد المخرجات تنوعها المرجو.  

إنَّ هذا الاندفاع الجماعي غير الواعي يُحوِّل القاعات الدراسية إلى مساحات مُكدَّسة تفتقر إلى التفاعل الحقيقي، ويُفقِد العملية التعليمية قيمتها التنافسية، وبدلًا من أن يخرج الطالب بمسار معرفي فريد يُميِّزه في سوق العمل، ينتهي به الأمر بتكرار تجربة آلاف الطلبة، مما يُعيدنا المربع الأول لـ"نمطية المخرجات الأكاديمية" وتوحيد العقول، ويقضي تمامًا على روح الابتكار والتميز الفردي التي تُمثل جوهر التعليم الجامعي المعاصر.

​إنَّ النظرة الضيقة إلى المقررات الاختيارية كبند مالي زائد عن الحاجة يمكن اقتطاعه عند أول أزمة للميزانية المالية، تعكس خللًا عميقًا في ترتيب الأولويات الأكاديمية، فالتضحية بالتنوع المعرفي لصالح توفير نفقات تشغيلية قصيرة المدى تؤدي مباشرة إلى تراجع جودة المخرجات الوطنية، وتُحول المؤسسة الجامعية من بيئة فكرية حيوية تُعنى ببناء العقول المتفردة، إلى مجرد مركز تدريب آلي يُعيد إنتاج النسخة ذاتها من الخريجين دون أدنى قيمة مُضافة.

** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس

الأكثر قراءة

z