مرتضى بن حسن بن علي
طرح عالم الاجتماع العراقي المشهور الدكتور علي الوردي (1913–1995)، أحد أبرز علماء الاجتماع العرب في العصر الحديث، مفهومًا لافتًا هو "التنويم الاجتماعي". ومفاد الفكرة أن الإنسان لا يصنع أفكاره في فراغ؛ فالمجتمع يحيط به منذ طفولته بمنظومة من القيم والمعتقدات والعادات والصور الذهنية، حتى تتحول كثير من المسلمات إلى جزء من وعيه دون أن يتوقف ليسأل: لماذا أؤمن بها؟ وهل ما أراه بديهيًا هو بالضرورة صحيح؟ وهل ما كان صالحًا بالأمس ما زال صالحًا اليوم؟
ويلتقي "التنويم الاجتماعي" مجازًا مع التنويم المغناطيسي في قوة الإيحاء والتكرار؛ فالفكرة التي تتردد عبر الأسرة والمدرسة والإعلام والخطاب العام قد تتحول مع الزمنمن رأي قابل للنقاش إلى "حقيقة" يصعب الاقتراب منها.
ولا يعني ذلك أن الإنسان مجرد ضحية لمجتمعه، ولا أن أبناء المجتمع نسخة واحدة؛ بل إن هناك أرضية ثقافية مشتركة تؤثر في طريقة النظر إلى العمل والسلطة والدين والعلم والمرأة والآخر والنجاح والفشل؛ بل وحتى المستقبل نفسه؛ فالإنسان، في جانب كبير منه، حصيلة خبراته، وكذلك المجتمعات. والقيم التي تُغرس في الطفولة ترسم ملامح التفكير في مرحلة البلوغ، لتتشكل عبر الزمن هوية ثقافية عامة تميز مجتمعًا عن آخر، دون أن تلغي الفروق الفردية بين أفراده كمجتمع.
المشكلة ليست في التراث أو التقاليد؛ فلا أُمَّة بلا ذاكرة، ولا حضارة تبدأ من الصفر، لكنها تبدأ عندما يتحول التراث من منطلق للفهم إلى سقف يَحِدُّ التفكير؛ فالتراث العربي والإسلامي الذي نفخر به لم يكن عظيمًا لأنه قديم، بل لأنه كان في زمنه جديدًا وجريئًا ومبدعًا. فقد أنتجته عقول سألت وبحثت وترجمت واختلفت وجربت، وأضافت إلى ما أخذته من الحضارات السابقة، دون تردد في الاستفادة من اليونان وفارس والهند وغيرهم، ثم تطوير ما نقلته وإعادة إنتاجه.
وهنا تكمن المفارقة: نحن نفتخر بأسلافنا لأنهم أبدعوا، لكننا أحيانًا نتصور أن الوفاء لهم يكون بتكرار ما قالوه، بينما لعلَّ الوفاء الحقيقي هو أن نفعل ما فعلوه: نسأل، ونبحث، ونشك، ونختبر، ونضيف.
لقد تقدمت أُممٌ أخرى حين بدأت من حيث انتهى السابقون، ثم طورت وصححت وأضافت، فصارت المعرفة لديها مشروعًا مفتوحًا لا يعرف معنى "الاكتفاء". أما حين تتحول المعرفة إلى حفظ وتلقين، يفقد العقل تدريجيًا قدرته على المغامرة، ويصبح الماضي أكثر حضورًا من المستقبل. وتتجلى خطورة "التنويم الاجتماعي" في خلق فجوة بين ما نقوله وما نمارسه.
نتحدث عن العلم ولا نمنح البحث العلمي مكانته. نتحدث عن العمل ونربط القيمة بالمسمى الوظيفي لا بالإنتاج. نطالب بالإبداع ثم نعاقب المختلف. نشجع المبادرة ثم نغرق المبادر في القيود. ندعو للتفكير ثم ننزعج من الأسئلة. نرفع شعارات الجودة ونقيس النجاح بالأعداد. نطالب بالابتكار ونخشى الفشل. ونتحدث عن المستقبل بعقلية الماضي. وهكذا تتشكل أخطر صور التنويم: أن يعيش الإنسان في عصر حديث بأدواته، لكنه يفكر بعقل تشكل لعالم مختلف.
ومن أكبر الأوهام الخلط بين استهلاك منتجات الحضارة وإنتاج الحضارة؛ فقد تستورد دولة أحدث التقنيات وتبني البنية التحتية المتقدمة، لكنها لا تصبح بالضرورة منتجة للمعرفة. وهناك فرق جوهري بين أن نستخدم التكنولوجيا وأن نصنعها، وبين أن نستورد مصنعًا وأن نمتلك المعرفة التي تصممه، وبين أن نشتري نظامًا للذكاء الاصطناعي وأن نمتلك العقول القادرة على تطوير الجيل التالي منه.
التقدم الحقيقي يبدأ عندما يتحول المجتمع من مستهلك للمعرفة إلى منتج لها. كما قد يعيد الإنسان النظر في حياته بعد تجربة عميقة، قد تستيقظ المجتمعات حين تواجه هزات كبرى تكشف الفجوة بين صورتها عن نفسها وواقعها الفعلي.
وقد تكون هذه الهزّات حربًا أو أزمة اقتصادية أو تحولًا تكنولوجيًا أو تراجعًا حضاريًا، أو حتى صعود أمم كانت أقل تقدمًا ثم تجاوزت غيرها. لكن الصدمة وحدها لا تكفي. فهنا تظهر مسؤولية المفكرين والعلماء والمثقفين والمعلمين والإعلاميين، ليس في جلد المجتمع أو احتقار تاريخه، بل في مساعدته على رؤية نفسه كما هو لا كما يتخيل. وهي مهمة صعبة، لأن المجتمعات، كالأفراد، لا تتقبل بسهولة الحقائق التي تهز صورتها الذاتية.
من أين تبدأ الإفاقة؟
تبدأ الإفاقة عندما يصبح السؤال قيمة لا تهديدًا. عندما يتعلم الطفل أن يسأل: لماذا؟ وعندما تستطيع الجامعة مناقشة المسلمات. وعندما تُقاس قيمة الباحث بما يكتشفه لا بالألقاب. وعندما يُكافأ الموظف على إنتاجه لا على بقائه. وعندما يُنظر إلى الفشل في التجربة بوصفه خطوة في التعلم لا عيبًا يجب تجنبه.
وتبدأ أيضًا بالانفتاح على العالم لفهمه لا لتقليده: كيف يفكر الآخرون؟ كيف يبنون جامعاتهم؟ لماذا تتقدم دول وتتراجع أخرى؟ وكيف تحولت أمم كانت فقيرة إلى مراكز للمعرفة؟
هذه الأسئلة أهم من الاكتفاء بترديد أمجاد الماضي.
نحن أمام "تنويم" جديد.. لم يعد التنويم الاجتماعي اليوم محصورًا في الأسرة أو المدرسة أو الخطاب التقليدي، بل دخلت إليه الخوارزميات ووسائل التواصل الاجتماعي؛ فالإنسان قد يظن أنَّه يختار ما يقرأه، بينما تُعيد الخوارزميات تشكيل ما يراه وفق ميوله السابقة، فيعيش داخل "غرفة صدى" تعزز قناعاته وتقلل احتكاكه بالاختلاف. وهكذا ننتقل من التنويم الاجتماعي التقليدي إلى ما يمكن تسميته "التنويم الخوارزمي"، مما يجعل تحرير العقل أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
السؤال الذي يجب أن نطرحه: ليست المشكلة في امتلاك ماضٍ عظيم، بل في الاعتقاد بأنَّ هذا الماضي يعفينا من صناعة المستقبل؛ فأسلافنا لم يكونوا عظماء لأنهم ورثوا المعرفة، بل لأنهم أضافوا إليها في زمنهم.
لذلك، السؤال الأهم ليس: ماذا فعل أجدادنا؟ بل: ماذا سيقول أحفادنا عنا؟
هل سنكون الجيل الذي امتلك الأدوات واكتفى بالاستهلاك؟ أم الجيل الذي استيقظ من التنويم الاجتماعي، وأعاد الاعتبار للعقل والسؤال والإبداع؟
فالنهضة لا تبدأ باستيراد أحدث آلة، بل بامتلاك العقل القادر على صنع الآلة التالية.
وربما تكون البداية الحقيقية بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها: أن نتوقف عن تلقين أبنائنا ماذا يفكرون، ونبدأ بتعليمهم كيف يفكر.
