أ. د. حيدر أحمد اللواتي **
لم تعد المعرفة اليوم تتدفق كنهر هادئ في مجرى واحد ضيق، بل تحولت المعرفة إلى طوفان من البيانات المتشابكة والتفاصيل اللامتناهية يقف الإنسان اليوم أمام هذا السيل العارم مذهولًا؛ إذ إن محاولة الإحاطة بكل شيء، ومواجهة الوجود بعيون مفتوحة على كل جزيئية، ليست إلا ضربًا من الانتحار الذهني الذي يغرق صاحبه في بحر لجيٍّ من الارتباك والشتات ومن رحم هذا العجز البشري، ولدت ضرورة التخصص كطوق نجاة، وغدا التعاون والتخصص وجهين لعملة واحدة؛ فلا يمكن لإنسان واحد أن يفهم كل العلوم، أو حتى يحيط بجزء ضخم منها.
ومن هنا، نجد أنفسنا مدفوعين بـ"عقد اجتماعي ومعرفي غير مكتوب" على أن يثق بعضنا ببعض، فنحن نضع أرواحنا بين يدي الطبيب، وسلامتنا بين يدي المهندس، دون أن نملك ترف فهم آليات عملهم المعقدة، إننا في جوهر الأمر، نقتسم عبء المعرفة مع خبراء وثقنا بهم واعتمدنا عليهم، فصارت هذه الثقة المشتركة وهذا الاعتماد المتبادل هما الدعامتين الرصينتين اللتين تقف عليهما صروح مجتمعاتنا الحديثة.
هذا المفهوم، الذي يتجلى بوضوح في قطاع المال والأعمال تحت مسمى "التعاقد الخارجي"، ليس مجرد استراتيجية اقتصادية، بل هو سلوك إنساني نمارسه كل يوم فنحن نتعاقد مع الميكانيكي بخبرته في السيارات، ونلجأ إلى الخبير في كل شأن، وفي المقابل، يتحول هؤلاء الخبراء أنفسهم إلى مستهلكين لخبرات آخرين في دوامة لا تنتهي من الاعتماد المتبادل، تخيل أنك تريد شراء ثلاجة جديدة؛ إنك لن تقضي شهورًا في دراسة هندسة التبريد وفيزياء المواد، بل ستبحث عن ومضات سريعة من التقييمات عبر الإنترنت، ثم تفوض قرارك لجهة خارجية تثق بها، لأن وقتك أثمن من أن يضيع في تفاصيل لا تخدم جوهر حياتك، ومع ذلك، فإن هذا التفويض لا يعني أبدًا الاستسلام الأعمى أو العيش الساذج؛ إننا نتنازل عن التفكير في الأمور الثانوية لنجعل لدينا وقتًا متسعًا ومجالًا أرحب للقرارات الكبرى والمصيرية، فتلك التضحية الضرورية تتيح لنا اكتشاف جوانب أخرى أكثر أهمية.
لكن معضلة التفويض تكمن في مخاوفها؛ فالاستعانة بالآخرين تبدو لأول وهلة أمرًا بسيطًا، لكنها خطوة محفوفة بالمخاطر والتوجس وكما تُعلمنا الفيلسوفة النيوزيلندية أنيت باير (Annette Baier)، فإن جوهر الثقة ينطوي على جعل المرء نفسه عرضة للخضوع لسلطة شخص آخر، فحين نثق بطبيب أو ميكانيكي، ونحن لا نملك المعرفة الكاملة للتحقق من صدق نصيحته، فإننا نضع أنفسنا، وأموالنا، بل وحتى حياتنا، تحت رحمة كفاءته ونزاهته، ولهذا الثقة، محفوفة بالمخاطر وغير كاملة ومثيرة للحيرة، لكنها شريان الحياة الذي لا مفر منه إذا ما أردنا لعجلة المجتمع أن تدور بسلام، ومن هنا يتجلى السؤال الحقيقي الذي يواجهنا في: ليس "هل نثق؟" بل "كيف ندير دفة هذه الثقة؟".
والحكمة تقتضي أن نبدأ بالأساسيات؛ فعندما نختار بوعي أشخاص آخرين نكل إليهم أمورنا، نكون قد وطدنا أهدافنا وحمينا عقولنا، أمَّا الاستعانة العشوائية بأفراد تتعارض قيمهم وغاياتهم مع قيمنا وغاياتنا، فستقودنا حتمًا إلى نتائج كارثية؛ حيث نسمح لكيانات غريبة بأن تعيد صياغة أولوياتنا وقيمنا الأساسية بما يخدم مآربها البعيدة.
ويتجسد هذا التحدي الوجودي بأوضح صوره وأخطرها حين نتأمل بعض نماذج المدارس الأجنبية والدولية في دولنا الاسلامية؛ حيث يتحول تفويض "التعليم" من حاجة وظيفية مؤقتة إلى معركة قيمية صامتة تمس ثوابتنا وهويتنا، فحين يقرر الآباء إلحاق أبنائهم بتلك المؤسسات، فإنهم ينطلقون من تفويض واعٍ يسعى وراء الكفاءة، رغبةً في تمكين الأبناء من لغات أجنبية وعلوم حديثة ومناهج تفكير نقدية متطورة، لكن الإشكالية العميقة تظهر عندما تطغى هذه الثقة وتتحول إلى استقالة تربوية كاملة، فتتسلل المدرسة من دور "مُلقِّن المهارة" لتصبح "صانعة الهوية"، إن التعليم الأجنبي لا يقدم علومًا مجردة من الهوى، بل يأتي محملًا بسياقات ثقافية وفلسفية غربية تعيد صياغة نظرة الطفل للمجتمع، والأسرة، والدين، والحياة برمتها، وفي هذا الفضاء المُعوْلَم، تتبنى بعض هذه المدارس منظومات قيمية قد تتصادم بشكل مباشر وصريح مع قيمنا الدينية والاجتماعية والعربية؛ حيث ترسخ مفاهيم الفردية المطلقة التي تجعل الفرد مكتفيًا بذاته، مما يضعف قيم البر والتكافل الاجتماعي، إلى جانب إدراج مضامين سلوكية في سن مبكرة تشوه الفطرة السليمة تحت شعارات التنوع والقبول.
إ هذا الصراع يمتد ليمس الوجدان من خلال اللسان؛ فاللغة ليست مجرد أداة للتحدث، بل هي وعاء الفكر ونبض الثقافة، وعندما تستحوذ اللغة الأجنبية على المساحة الأكبر من يوم الطفل وذهنه، تُهمش اللغة العربية- لغة الدين والهوية- فينشأ جيل يعاني من اغتراب ثقافي حاد، يمتلك مهارات تقنية عالية لكنه منقطع الجذور عن تاريخه وتراثه، مما يخدم مآرب تلك الكيانات البعيدة في جعل الشباب مستهلكين تابعين لثقافة الآخر، ومنفصلين عن قضايا مجتمعاتهم المحلية.
ولا يقف هذا الانزلاق الخطير عند حدود التعليم والثقافة والعلوم ، بل ربما يمتد ليتغلغل في البُعد الأكثر حساسية في الوجدان الإنساني؛ وهو البُعد الديني والمذهبي، فلقد عايشنا ما حدث في بعض المجتمعات العربية، حيث استقالت أفراد ومجموعات من إعمال عقولهم وتدبر قيمهم الروحية السامية، وفوضوا تفكيرهم الفقهي والروحي بالكامل لجهات غريبة عن نسيجنا الإسلامي الأصيل، هذا الاستسلام الفكري فتح ثغرة واسعة استغلتها أطراف وكيانات وظفت هذا التفويض الديني لأغراض أيديولوجية وسياسية ضيقة، فزرعت من خلاله أدوات ومناهج تولد الخصومة، وتبث خطابات الكراهية، وتُشعل فتيل الطائفية والفرقة بين أبناء المجتمع الواحد الذي عاش قرونًا على التسامح والتعايش السلمي، فتحول الدين من كونه جامعًا للأمة ومنارة للتراحم والاتحاد، إلى وسيلة للتخندُق المذهبي وإقصاء الآخر، وكل ذلك بسبب غياب الإدارة الواعية لتلك الثقة الممنوحة، والانسياق وراء فتاوى ومناهج مستوردة تعيد صياغة أهداف وغايات المجتمع لخدمة مصالح وصراعات خارجية لا ناقة فيها للمجتمعات المحلية ولا جمل.
إن "إدارة الثقة" في هذه السياقات المعقدة لا تعني مقاطعة العلوم الحديثة، ولا الانعزال عن الدين والتربية؛ بل تعني ممارسة "السيادة الواعية" إنها تعني أن نثق ثقة مشروطة بالمراقبة، فنتعاقد مع الآخر في حدود كفاءته المهنية كأداة تمكين، دون أن نسلمه أبدًا مطلق القيادة؛ بل لا بُد من ممارسة دور الرقابة على ما يطرحه ومدى موائمته مع القيم الإنسانية الأصيلة ومع الهوية الإسلامية، ولذا لا بُد من غرس قدرات التفكير الناقد في أفراد المجتمع حتى يظل الوعي الذاتي والحصن القيمي الرصين هو المصدر الأول والأساسي لغرس الأخلاق والوحدة الأصيلة، لتشكل عقول أفراد المجتمع فلاتر واعية تستقبل المعرفة وتلفُّظ الأيديولوجيات المعوَجَّة والخطابات الطائفية الوافدة، فيأخذون الحكمة ويمسكون بالثوابت التي تحفظ كرامة الإنسان وتلاحم الوطن.
إنَّ غايتنا المُثلى ليست أن نكون عبيدًا لأدواتنا وتابعين للآخرين، ولا أن يُديرنا هؤلاء الخبراء ويتحكمون في مصائرنا؛ بل إننا ننشُد إدارة ذاتية حكيمة للثقة بحيث تكون لدينا سيطرة واعية على تفاصيل حياتنا، وإذا لم نُدر هذه الثقة بحذر وشجاعة، لتحوَّلنا من مستفيدين من أهل التخصُّص وأصحاب الخبرات إلى ضحايا لهم، ولسمحنا للآخرين بأن يعيدوا كتابة قِيَمنا الأساسية لتناسب غاياتهم وأهدافهم!
** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس
