أ. د. حيدر أحمد اللواتي
يقف الإنسان حائرًا أمام لوحة الكون الفسيحة التي تتداخل فيها الألوان وتتشابك الخطوط، ساعيًا وراء الحقيقة المطلقة عبر دروب شتى. هذا التوق الفطري للفهم والمكابدة المعرفية غالبًا ما يصطدم بمحدودية الأدوات البشرية، مما يدفع العقل -في محاولته لتبسيط هذا الوجود وفك مغاليقه- إلى الوقوع في فخ ما أسميه بالاختزالية المغالية. إنها ذلك المنهج الإقصائي القائم على مبدأ تفكيك الظواهر المركبة والمعقدة وردِّها قسرًا إلى عناصرها الأولية البسيطة. ورغم أن هذا التبسيط يمنح العقل شعورًا زائفًا بالسيطرة والإحاطة، إلا أنه ينتهي به واهِمًا بأن اختصار الكل في جزء صغير يمتلك مفاتيح الحقيقة، مغفلًا أن المجموع الكلي لأي ظاهرة يحمل خصائص فريدة تضيع تمامًا بمجرد تفتيتها، لتبدأ من هنا معركة صامتة شوهت معالم المعرفة المادية والروحية على حد سواء.
فقد لاحظ مؤرخو العلوم، منذ أشرقت شمس عصر النهضة العلمية، تحولًا جذريًا في مسار المعرفة الإنسانية؛ إذ غزا المنهج الاختزالي العلوم الطبيعية غزوًا متسارعًا، متخذًا من النزعة المادية المتطرفة دليلًا له. وتتجلى أبرز الأمثلة على الاختزالية العلمية المغالية في محاولة تفسير الوعي الإنساني والمشاعر المعقدة كالحب، والعدالة، والإبداع، وتلخيصها في مجرد تفاعلات كيميائية صامتة ونبضات كهربائية داخل الدماغ، أو اختزال الكائن الحي بكامل تجلياته الروحية والبيولوجية في مجرد شفرات وراثية وجينات أنانية تسعى للبقاء. وفي ميدان الفيزياء، تظهر الاختزالية المغالية حين تُفسَّر الطبيعة بأسرها بناءً على حركة الجسيمات دون الذرية فقط، وكأن حركة النجوم، ونمو الأزهار، وتاريخ الحضارات ليست سوى تصادمات عشوائية لذرَّات صماء. لقد جرَّدت الاختزالية المغالية الطبيعة من روحها وحرمت الوجود من عمقه الفلسفي والغائي، فأصبح الوجود برمته عبثًا لا خير يُرتجى من ورائه.
إلا أن الملاحظ أن آفات الاختزالية المغالية لم تقف في عصرنا عند العلم فحسب، بل تسربت الفكرة حتى إلى الدين؛ فبينما جفف العلم الاختزالي روائع الكون وحوَّلها إلى معادلات رياضية صامتة، حوَّل الدين الاختزالي الإيمان الحي المتكامل إلى أجزاء متناثرة، فطغت أبعاد معينة على المفهوم الشامل للدين، بحيث غدا مختزلًا بصورة مجحفة في أمور معينة تفقد الإيمان هيبته وحيويته وروحه.
فمن جهة، برز "الاختزال الأخلاقي" كأحد المظاهر التي تعزل الدين عن سياقه التعبدي والغيبي والتشريعي؛ فالبعض حصر الدين في القيم الأخلاقية والسلوكية المجردة، واعتبر أن الدين إنما هو "المعاملة فحسب". ورغم محورية الأخلاق وعظمتها في الرسالة الدينية، إلا أن هذا المنظور الاختزالي يجتث الأخلاق من ركيزتها الإيمانية ومصدرها المتعالي؛ فتتحول المبادئ كالصدق، والأمانة، والعدل من عبادة وقربى يتقرب بها العبد إلى خالقه وتتصل بالآخرة، إلى مجرد نفعية اجتماعية، أو أدوات براغماتية لتسيير المصلحة اليومية تذروها رياح الأهواء والظروف. إن هذا الاختزال يفرغ الأخلاق من عمقها الروحي، ويلغي أبعاد التزكية الإيمانية، والتعلق بالله، والصلة بالغيب التي هي جوهر التدين وأساسه المتين، بينما ركز آخرون على البعد القانوني الصارم، بحيث غدا الدين في أعينهم منحصرًا في البعد الفقهي الصرف، فهم ينظرون إلى الدين من هذه الزاوية القانونية البحتة، ويقيمون الآخرين ويحاكمونهم على أساس الظواهر السلوكية والتدقيق في صغائر المسائل، محولين الشريعة السمحة الشاملة إلى مدونة قانونية جافة تفتقر إلى روح الرحمة والتسامح.
ويتجلى هذا الاختزال الفقهي الجاف في أبشع صوره حين يتسلل إلى أدق تفاصيل الحياة الاجتماعية والأسرية، ليحيل العلاقات الإنسانية الدافئة والمبنية على السكن والرحمة إلى "عقود تجارية صامتة" وصفقات متبادلة؛ فعندما تسيطر روح الفقه الجافة على الحياة بين الزوجين، يتحول الزواج من ميثاق غليظ قوامه المودة والرحمة إلى حلبة تقاضٍ يومية، حيث يطالب كل طرف بأقصى "حقوقه الواجبة" فقهيًا، ويمتنع عن تقديم أي "تفضل" خارج النص القانوني؛ فتنحصر علاقة الزوجة بزوجها في حدود الطاعة والتمكين المشروطين، وتقتصر مسؤولية الزوج على توفير النفقة والكسوة الأساسية بالدرهم والدينار، لتموت بينهما معاني التضحية، والتغافل، ومشاركة أعباء الحياة بحب، وتتحول البيوت إلى شركات استثمارية يملك كل طرف فيها دفترًا للحسابات. ومثل ذلك تمامًا يقع في العلاقة بين الأب والابن إذا حُصرت في أبعادها الفقهية المحضة؛ إذ تتحول الأبوة من منبع للحنان، والتربية، والقدوة، إلى مجرد التزام مالي بالنفقة حتى البلوغ، ويتحول البر من قيمة شعورية دافقة تفيض بالإحسان والتوقير إلى قائمة من التكاليف والأوامر الصارمة التي تؤدى بدافع الخوف من الوقوع في "الإثم والملام"، لا بدافع الحب والامتنان، لتغدو الأسرة في ظل هذا الاختزال المغالي كيانًا ميكانيكيًا باردًا يخلو من روح السكينة وجو الطمأنينة.
وفي سياق متصل، برزت طائفة أخرى تلبست بالاختزال الشديد عبر المبالغة في التركيز على البعد الطقوسي الشكلي، فحصروا التدين بأكمله في إقامة حركات العبادات الظاهرة، وهيئات المظهر الخارجي، مغيبين بذلك الجوانب الروحية العميقة، والمسؤوليات الأخلاقية، واليقظة الفكرية؛ فأصبح الإيمان في نظرهم مجرد قشور وقوالب آلية تؤدى بلا قلب أو وعي بمقاصدها. ولا تتوقف خطورة هذا "الاختزال الطقوسي" عند تجميد باطن الإنسان وحسب، بل تتجاوز ذلك لتصبح سوطًا يُسلط على رقاب العباد وعاملًا من عوامل تمزيق الأمة؛ فحين تغيب مقاصد الدين الكبرى ويُختصر التدين في الهيئات والأشكال، يسارع أولئك المختزلون إلى جعل هذه التفاصيل والطقوس معيارًا مطلقًا للحق والباطل، والهدى والضلال. ونتيجة لذلك، نرى كيف يُحاكَم الآخرون ويُصنَّفون تصنيفًا إقصائيًا لمجرد أنهم لا يتفقون معهم في طقس معين أو تفصيل فقهي شكلي يسع فيه الخلاف أصلًا، وهو ما تباينت فيه الآراء واختلف فيه المسلمون وكبار العلماء على مر العصور، كاختلافهم في بعض هيئات الصلاة، أو طريقة إحياء بعض المناسبات الدينية، أو رخص العبادات وصورها الظاهرية. فبدلًا من أن يكون هذا الاختلاف ثراءً وتوسعة على الأمة، تحوله النظرة الاختزالية المغالية إلى ساحة للمحاكمة والإدانة، والتكفير أو التبديع، وكأن الدين بجلاله وعالميته قد اختُصر في فهم فئة واحدة لشكل طقسي معين، ليحل الخصام والنزاع محل الأخوة والرحمة والتعاون على مشتركات العقيدة الكبرى.
إن الوجود أرحب من أن يُختصر في معادلة مادية، والدين أعمق من أن يُحبس في قالب فقهي أو طقوسي أو فكري واحد، والوعي الحقيقي يكمن في امتلاك نظرة شمولية ترى الكل دون إهمال الجزء، لتعود للعلم روعته، وللدين روحه.
**كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس
