ورحل محمد عيد العريمي وتبقى "مذاق الصبر"

 

محمد بن سلطان الساعدي

يرحل الإنسان الذي ترك أثرًا في حياة الآخرين، لا يكون الرحيل مجرد خبر عابر نقرأه ثم نغلق الصفحة، فهناك أشخاص تظل سيرتهم مفتوحة حتى بعد أن يغيبوا، لأنهم تركوا خلفهم ما يجعل حضورهم مستمرًا في ذاكرة الناس. ومحمد عيد العريمي واحدٌ من هؤلاء الذين لا يمكن أن تُختصر حياتهم في تاريخ ميلاد أو خبر وفاة؛ فقد كانت حكايته أطول من ذلك، وأكثر ارتباطًا بالصبر والكتابة والإنسان الذي يستطيع أن يجد لنفسه طريقًا حتى حين تضيق به الحياة.

محمد بن عيد العريمي.gif
الروائي الراحل محمد بن عيد العريمي (رحمه الله)

رحل محمد عيد العريمي، ابن وادي المر، وأحد أبناء ولاية صور، حاضرة محافظة جنوب الشرقية، وهو من الذين حملوا اسم مدينتهم معهم إلى فضاء الأدب. رحل بعد سنوات طويلة من العطاء والقراءة والكتابة، وبعد تجربة إنسانية قاسية جعلته مضربَ مثلٍ في الصبر ومواجهة الظروف، لكنها في الوقت نفسه لم تمنعه من أن يكون حاضرًا بقلمه وعقله وروحه.

في عام 1982 تعرض لحادث سير أثناء توجهه إلى أحد حقول النفط، وكان ذلك الحادث نقطة تحوُّل كبيرة في حياته، فقد أُصيب بشلل رباعي، وأصبح عليه أن يعيش مع واقع جديد لم يختره، وأن يُعيد ترتيب تفاصيل حياته على نحو مختلف. كان يمكن لذلك الحادث أن يُغلق أبوابًا كثيرة أمامه، وأن يُحَوِّل بقية عمره إلى انتظار، لكنه اختار طريقًا آخر، طريق المعرفة والقراءة والكتابة، ومن تلك التجربة الصعبة بدأت مرحلة أخرى من حياته، مرحلة جعلت منه كاتبًا يكتب من داخل التجربة لا من خارجها، ويعرف معنى الصبر لأنه عاشه، ويعرف معنى مواجهة الظروف لأنه لم يسمع عنها فقط، وإنما واجهها سنوات طويلة.

ولهذا فإن الحديث عن محمد عيد العريمي لا يمكن أن يمُر سريعًا على تجربته الإنسانية، ولا يمكن أن يَفصِل الكاتب عن الإنسان، لأن الاثنين كانا حاضرين في كل ما تركه. لقد استطاع أن يحول جزءًا من معاناته إلى إبداع، وأن يُقدِّم أعمالًا روائية وقصصية وسيرية أصبحت لها مكانتها في الأدب العُماني، حتى صار اسمه حاضرًا عند الحديث عن السرد العُماني المعاصر، ليس لأن ظروفه وحدها صنعت منه كاتبًا، وإنما لأن لديه مشروعًا أدبيًا وقلمًا وتجربة وثقافة وقراءة جعلت ما يكتبه يتجاوز حكايته الشخصية إلى القارئ.

ومن بين ما تركه لنا «مذاق الصبر»، ذلك الكتاب الذي يبدو اليوم، بعد رحيله، أكثر التصاقًا بسيرته؛ فالعبارة التي كانت عنوانًا لكتاب أصبحت بعد غياب صاحبه تختصر جانبًا كبيرًا من حياته. لم يكن الصبر بالنسبة إليه كلمة جميلة تكتب في مقدمة أو خاتمة؛ بل كان أيامًا وسنوات وتجربة طويلة مع الجسد والظروف، وكان عليه أن يتعامل معه كجزء من حياته، ثم استطاع أن يجعل منه مادة تصل إلى الآخرين، ولذلك حين نعود اليوم إلى «مذاق الصبر» فإننا لا نقرأ صفحات عن تجربة رجل فحسب، وإنما نقرأ شيئًا من حياة رجل عاش ما كتب، ثم ترك لنا الكتاب لنعود إليه كلما أردنا أن نفهم كيف يستطيع الإنسان أن يستمر رغم ما يثقل خطواته.

لم ألتقِ الكاتب الكبير محمد عيد العريمي، وهذه واحدة من الأشياء التي تجعل رحيله اليوم أكثر حضورًا بالنسبة لي، لأن هناك أشخاصًا لا نعرفهم باللقاء وإنما نعرفهم بما تركوه خلفهم، وربما تكون الكتب في أحيان كثيرة وسيلة أقرب إلى الإنسان من المجالس واللقاءات؛ فالكاتب يترك بين الصفحات شيئًا من نفسه، من نظرته للحياة، ومن الأشياء التي شغلته، ومن الأسئلة التي حملها معه، وحين نقرأه بعد رحيله نشعر أننا اقتربنا منه بطريقة لم تتح لنا في حياته.

ومحمد عيد العريمي من أولئك الذين يمكن أن يصل إليك صوتهم من خلال كتاب، فتقرأه وتشعر أنك أمام إنسان عاش كثيرًا وفكر كثيرًا ثم قرر أن يضع شيئًا من تجربته بين أيدي القراء.

وقد عرفه من اقترب منه إنسانًا يحمل روحًا صافية، متواضعًا ومثابرًا، قارئًا ومتابعًا لكل جديد، وصاحب قلم لم يكن منفصلًا عن عقله وثقافته وتجربته. وهذه الصفات حين تجتمع في إنسان لا تختفي بغيابه، لأنها تتحول مع الوقت إلى صورة تحفظها ذاكرة من عرفوه، وتبقى الكتب شاهدة عليها لمن لم تتح لهم فرصة اللقاء. ولذلك فإن صور اليوم لا تفقد مجرد ابن من أبنائها، وإنما تودع واحدًا ممن حملوا شيئًا من روحها إلى الكتابة، وتبقى المدينة حاضرة في حكايته كما يبقى وادي المر حاضرًا في بداياتها، فالأماكن التي ينشأ فيها الإنسان لا تغادره بسهولة، حتى عندما تأخذه الحياة إلى أماكن أخرى.

صور العفية تعرف أبناءَها الذين تركوا فيها أثرًا، ومحمد عيد العريمي واحد من هؤلاء، وسيبقى اسمه مرتبطًا بها عند من قرأ سيرته وعرف تجربته، وسيبقى وادي المر جزءًا من الحكاية الأولى لذلك الطفل الذي كبر، ثم أخذته الحياة في اتجاه لم يكن يتوقعه، قبل أن يصبح اسمه معروفًا في الكتابة العُمانية. ولعل الإنسان حين يعود إلى بداياته بعد سنوات طويلة يكتشف أن المكان الأول يظل موجودًا في داخله مهما تغيرت الأيام، ولهذا لا نستطيع أن نتحدث عن محمد عيد العريمي دون أن تمر صور في الذاكرة، ودون أن نتذكر أن وراء الكاتب مدينة ووادياً وطفولة وناسًا وذكريات.

والأصعب في رحيل الكتاب أننا نكتشف متأخرين كم كان يمكن أن نقول لهم من الكلمات الجميلة وهم بيننا. كان يمكن أن نقول له إنَّ تجربتك وصلتْ، وإن كتابك بقي، وإن صبرك لم يكن مجرد حكاية شخصية، وإنك أعطيت للأدب العُماني شيئًا يستحق أن يتذكره الناس، لكن الرحيل لا ينتظر اكتمال الكلمات، وحين يأتي لا يبقى لنا إلّا أن نبحث عن صاحبها في كتبه وصوره وما تركه من أثر. وهكذا يصبح الكتاب في غياب صاحبه أكثر من كتاب، وتصبح الصفحات مكانًا آخر للقاء، ونعود إليها لأننا لا نملك طريقًا آخر إلى ذلك الصوت الذي غاب.

ومحمد عيد العريمي ترك أكثر من سبب يجعلنا نعود إلى ما كتب، فقد ترك أعمالًا روائية وقصصية وسِيَرِيَّة، وترك تجربة لا يمكن فصلها عن مسيرة السرد العُماني المعاصر، وترك قبل ذلك كله سيرة إنسان عرف كيف يتعامل مع ظرف ثقيل دون أن يسمح له بأن يلغي حياته.

لم تكن الإعاقة آخر الحكاية، ولم يكن الحادث نهاية الطريق، بل كانا جزءًا من طريق طويل قاده إلى الكتابة، ومن هنا تأتي خصوصية تجربته؛ لأنه لم يكتب عن الصبر من مكان بعيد، وإنما عاشه، ولم يتحدث عن مواجهة الظروف بوصفها فكرة، وإنما جعل من حياته نفسها دليلًا على أن الإنسان يستطيع أن يواصل طريقه بأدوات مختلفة.

وحين نودعه اليوم، فإننا لا نحتاج إلى المبالغة في وصفه؛ فالرجل ترك ما يكفيه، وترك كتبًا يمكن أن تتحدث عنه أكثر من أي كلمات رثاء، وترك تجربة يستطيع الباحث والقارئ أن يعود إليها، وترك في نفوس من عرفوه صورة الإنسان الهادئ المتواضع المثابر، وترك في المكتبة العمانية اسمًا سيظل حاضرًا كلما عاد الحديث عن السرد العماني وتجارب كتابه.

رحل محمد عيد العريمي، لكن الرحيل لم يأخذ كل شيء، أخذ الجسد وبقيت السيرة، غاب الصوت وبقيت الكلمات، وغاب الكاتب وبقيت الكتب. وسيظل «مذاق الصبر» واحدًا من الأبواب التي يمكن أن ندخل منها إلى عالمه، نقرأه اليوم بعين مختلفة، لأننا نعرف أن صاحبه لم يكن يكتب عن شيء لم يعرفه، بل كان يكتب عن تجربة عاشها طويلًا، وعن صبر أصبح جزءًا من حياته، وعن إنسان لم تسمح له الظروف أن يعيش كما أراد، لكنه استطاع أن يصنع من حياته شيئًا آخر يستحق أن يبقى.

لهذا فإن العزاء اليوم ليس لعائلة محمد عيد العريمي وحدها، وإنما لعُمان وأُدبائها ومُثقفيها، ولصور العفية، ولتلامذته وأصدقائه وأقاربه، وللقُرَّاء الذين وجدوا في أعماله شيئًا من حياتهم أو شيئًا من الأسئلة التي يبحثون عنها، وللمكتبة العربية التي فقدت كاتبًا كان له حضوره وتجربته وصوته. أما نحن الذين لم نلتقِ به، فيكفينا أن نعرف أننا نستطيع أن نلتقيه في كتبه، وأن نقرأه فنجد شيئًا من الإنسان الذي عاش طويلًا مع الصبر، ثم رحل وترك لنا كتابًا يحمل اسمه وتجربته وشيئًا من روحه.

رحم الله محمد عيد العريمي، ابن وادي المر، وابن صور العفية، والكاتب الذي جعل من تجربته بابًا للآخرين، ومن قلمه وسيلة للحضور، ومن صبره حكاية وصلت إلى القراء. رحم الله رجلًا لم تمنعه قسوة الجسد من أن يترك أثرًا في العقل والورق، ولم تجعل سنوات الألم قلمه أكثر شكوى، بل جعلته أكثر قدرة على أن يرى الحياة من زاوية مختلفة.

نسأل الله أن يجعل ما قدمه من كتابة ومعرفة وإبداع في ميزان حسناته، وأن يمنح أهله ومحبيه وتلامذته وأصدقاءه الصبر والسلوان، وأن تبقى كتبه شاهدة على صاحبها ما بقي قارئ يفتح صفحاتها، وما بقي من يتذكر أن هناك رجلًا عاش امتحانًا طويلًا، ثم ترك لنا قبل أن يرحل شيئًا اسمه «مذاق الصبر».

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z