د. أحمد بن علي المرهون
تدرس دول متقدمة كثيرة العلوم بلغاتها الوطنية مثل اليابان والصين وألمانيا وغيرها ولم يمنعها ذلك من التقدم العلمي أو الانفتاح على المعرفة العالمية. لذلك تحتاج قضية اللغة التي تُدرَّس بها العلوم الاجتماعية في الجامعات إلى قدر من الهدوء بعيدًا عن فكرة أن الإنجليزية هي لغة العلم الوحيدة وأن العربية لا تصلح للتدريس الجامعي. فالمسألة أعمق من ذلك؛ إذ إن اللغة وسيلة للتعليم وهي في الوقت نفسه جزء من عملية التفكير والفهم وبناء المفاهيم.
وفي كثير من كليات العلوم الاجتماعية والإنسانية يمكن أن يكون التدريس باللغة العربية أكثر فاعلية. فالطالب الذي يدرس علم الاجتماع أو العلوم السياسية أو الإعلام أو التاريخ أو الجغرافيا يتعامل مع مفاهيم مرتبطة بالمجتمع والثقافة والإنسان والسلطة والهوية. وهذه المفاهيم تحتاج إلى فهم عميق وقدرة على النقاش والتحليل. وعندما يتلقى الطالب هذه المعرفة بلغة لا يمتلك أدواتها بصورة كافية فقد ينشغل بفهم اللغة على حساب فهم الفكرة وهذا ما لفت نظري وأنا اتناقش مع طلاب جامعيين يدرسون باللغة الانجليزية.
المشكلة ليست في اللغة الإنجليزية فقد أصبحت لغة أساسية في حركة البحث العلمي العالمي. فكثير من الدوريات والمراجع الحديثة وقواعد البيانات العلمية تقدم جزءًا كبيرًا من إنتاجها باللغة الإنجليزية. ولذلك لا يمكن للجامعة أن تتجاهل الإنجليزية أو تكتفي بتعليم الطالب بعض أساسياتها.
السؤال الحقيقي هو كيف نستخدم الإنجليزية داخل التعليم الجامعي؟
يمكن أن يقوم التعليم على مسارين متكاملين. يكون التدريس الأساسي في كثير من تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية باللغة العربية مع المحافظة على مستوى علمي رفيع في المقررات. وفي الوقت نفسه يحصل الطالب على تدريب قوي في اللغة الإنجليزية حتى يستطيع قراءة الأبحاث وفهم المصطلحات والكتابة العلمية والتعامل مع المصادر الأجنبية.
وهنا تأتي أهمية الإنجليزية للأغراض الخاصة، أو English for Specific Purposes وبحكم عملي وخبرتي في التدريب وجدت أن هذه البرنامج حقق نجاحا كبيرا في اوساط الموظفين وتوصلت الى أن تدريس اللغة الانجليزية للأغراض الخاصة تطور اللغة وتربطها بالواقع دون فرض طريقة تفكير للدارس.
في الواقع أن الطالب في العلوم السياسية يحتاج إلى نوع مختلف من الإنجليزية عن الطالب في الهندسة، كما أن طالب الإعلام يحتاج إلى مفردات ومهارات تختلف عن تلك التي يحتاج إليها طالب علم الاجتماع أو الإدارة.
ويمكن لطالب العلوم السياسية أن يتعلم كيفية قراءة ورقة بحثية في العلاقات الدولية وفهم خطاب سياسي وكتابة ملخص بحثي باللغة الإنجليزية. ويمكن لطالب الإعلام أن يتعامل مع لغة الأخبار والإعلام الرقمي والاتصال الجماهيري بينما يتدرب طالب علم الاجتماع على قراءة الدراسات الاجتماعية وفهم المصطلحات المرتبطة بها.
وبهذه الطريقة تصبح اللغة الإنجليزية جزءًا من التخصص نفسه، وليست مادة منفصلة عن حياة الطالب الأكاديمية.
وهناك قضية أخرى تتعلق بالعلاقة بين اللغة والتفكير. كثيرًا ما يقال إن الطالب إذا درس بالعربية ثم قرأ مراجع بالإنجليزية فإنه يدرس بلغة ويفكر بلغة أخرى. وهذه العبارة تحتاج إلى شيء من الدقة فالإنسان يستطيع أن يتعلم ويفكر بأكثر من لغة. لكن المشكلة تظهر عندما تكون لغة التدريس نفسها فوق مستوى الطالب اللغوي. عندها قد يحفظ الطالب المصطلح الإنجليزي ويكرر ما يقوله الأستاذ من دون أن يصل إلى المعنى الحقيقي للفكرة.
وهذا أمر يمكن ملاحظته في بعض القاعات الجامعية. فقد يعرف الطالب المصطلح، لكنه لا يستطيع شرحه بلغته. وقد يتمكن من كتابة تعريف باللغة الإنجليزية، لكنه يجد صعوبة في مناقشة الفكرة. وربما ينجح في الامتحان لأنه حفظ المادة، ثم يكتشف بعد ذلك أنه لم يمتلك المعرفة التي كان يفترض أن يحصل عليها.
التعليم الجامعي لا ينبغي أن يكون اختبارًا في اللغة على حساب التخصص انما ينبغي أن يكون
الهدف الأول هو أن يفهم الطالب ثم يحلل ويناقش ويطرح الأسئلة ويختلف مع أستاذه ويستطيع الدفاع عن رأيه. وبعد أن يمتلك هذه القدرة يصبح من المهم جدًا أن يُفتح أمامه باب الوصول إلى المعرفة العالمية باللغة الإنجليزية.
تحتاج اللغة العربية في العلوم الاجتماعية والإنسانية إلى استعادة ثقتها داخل الجامعة. فهي قادرة على استيعاب المفاهيم الحديثة وإنتاج المعرفة إذا وجدت المؤسسة الأكاديمية التي تدعمها وتنتج المصطلحات وتكتب الكتب والدراسات بها.
وفي الوقت نفسه تحتاج الإنجليزية إلى حضور أقوى وأكثر تخصصًا. فلا نحتاج إلى إنجليزية عامة فقط بل إلى طالب يستطيع قراءة بحث علمي وفهم منهجيته ومناقشة نتائجه والبحث عن مصادر جديدة والكتابة الأكاديمية بصورة سليمة.
وهذا مهم بصورة خاصة في دول مثل سلطنة عمان. فالجامعة ليست مؤسسة لتخريج موظفين يجيدون استخدام لغة أجنبية فقط، في الحقيقة هي مؤسسة لبناء الإنسان القادر على فهم مجتمعه والمشاركة في تطويره. والعلوم الاجتماعية تحديدًا مرتبطة بالمجتمع الذي تُدرَّس فيه لذلك تظل اللغة العربية ذات قيمة كبيرة في تكوين الطالب وفي قدرته على قراءة واقعه والتعامل معه.
ويمكن أن يتخرج طالب العلوم السياسية وهو قادر على مناقشة قضايا المجتمع العماني والعربي باللغة العربية ثم يقرأ أحدث الدراسات في العلاقات الدولية باللغة الإنجليزية. ويمكن لطالب علم الاجتماع أن يقرأ الدراسات العالمية باللغة الإنجليزية ثم يوظفها في فهم التحولات الاجتماعية في عمان. كما يمكن لطالب الإعلام أن يتعامل مع المصادر العالمية باللغة الإنجليزية ويكتب ويحلل قضايا مجتمعه باللغة العربية.
وهنا يصبح تعدد اللغات قوة للطالب، وليس مشكلة.
المطلوب في الجامعة ليس أن يختار الطالب بين لغة هويته ولغة المعرفة العالمية، المطلوب أن يمتلك الأدوات التي تمكنه من استخدام كل لغة في المجال الذي يحتاج إليها.
يمكن أن تكون العربية لغة الفهم والتفكير والتدريس في كثير من العلوم الاجتماعية والإنسانية بينما تكون الإنجليزية لغة البحث والانفتاح على المعرفة العالمية، مع تعليمها للطالب من خلال تخصصه وحاجاته الأكاديمية والمهنية.
عندها لا تصبح اللغة عائقًا أمام المعرفة ولا تصبح المعرفة منفصلة عن لغة الطالب ومجتمعه. ويصبح الطالب قادرًا على التفكير بلغته والوصول إلى العالم بلغته الأخرى. وهذه هي المعادلة التي تحتاج إليها الجامعة الحديثة.
