مبنى عالمي لغرفة تجارة وصناعة عُمان.. مقابل ماذا؟

 

 

 

إسماعيل بن شهاب البلوشي

قبل أن أبدأ، أود أن أوضح لكل من يقرأ لي أو يستمع إليّ أنني لا أكتب ضد التطوير، ولا ضد المُؤسسات، ولا ضد أن يكون لعُمان مبانٍ تليق بمكانتها؛ بل على العكس؛ أريد لعُمان أن تكون في مقدمة الدول، وأن تكون مؤسساتها حديثة وفاعلة وقوية. لكن الحضارات والنجاحات الكبرى لم تُبنَ بفرض الأفكار على المجتمعات، وإنما بإقناع النَّاس بها، وشرح أهدافها، وبيان منافعها، وإثبات جدواها حتى يصبح المجتمع شريكًا فيها، لا مجرد ممول لها.

ومن هذا المنطلق، أعود إلى موضوع ناقشناه طويلًا: غرفة تجارة وصناعة عُمان، ما دورها الحقيقي اليوم؟ وما الذي يحصل عليه التاجر العُماني فعليًا مقابل وجودها ورسومها والتزاماتها؟

غرف التجارة ليست اختراعًا عُمانيًا، بل تجربة عرفتها دول كثيرة، ونشأت في ظروف اقتصادية مختلفة لخدمة التجار وتنظيم مصالحهم وتمثيلهم وفتح الأسواق أمامهم. ثم انتقلت الفكرة من دولة إلى أخرى. لكن نقل اسم المؤسسة وشكلها لا يكفي؛ فالمؤسسة لا تُقاس بلافتتها ولا بضخامة مبناها، وإنما بما تحققه لمن أُنشئت من أجلهم.

ولهذا طرحت سابقًا سؤالًا أراه بسيطًا، ولكنه جوهري: لو أُلغيت غرفة تجارة وصناعة عُمان غدًا، ماذا سيتغير في حياة التاجر الصغير والمتوسط؟ وماذا سيفقد تحديدًا من خدمات لا يستطيع الحصول عليها من جهة أخرى؟

هذا السؤال لا أقصد به التقليل من جهود أحد، وإنما البحث عن إجابة مُقنعة. فإذا كان للغرفة أدوار أساسية لا يمكن للاقتصاد الاستغناء عنها، فمن حق المجتمع أن يعرفها بالأرقام والنتائج: كم مؤسسة عُمانية ساعدت الغرفة في دخول أسواق خارجية؟ كم فرصة استثمار حقيقية جلبتها؟ كم مشروعًا صغيرًا أنقذته أو أسهمت في نموه؟ كم فرصة عمل نتجت بصورة مباشرة عن برامجها؟ وكم ريالًا يعود إلى الاقتصاد مقابل كل ريال يُنفق؟

هذه هي لغة المؤسسات الحديثة: النتائج، لا المباني.

واليوم يثار الحديث عن إنشاء مبنى ضخم للغرفة بتكلفة يُقال إنها تقترب من 50 مليون ريال عُماني. وإذا كان هذا الرقم صحيحًا أو قريبًا من الحقيقة، فمن حق المجتمع، بل ومن واجبه، أن يسأل: ما الضرورة الاقتصادية لمبنى بهذه التكلفة؟ وما العائد الذي سيضيفه إلى الاقتصاد العُماني؟ وهل احتياجات الغرفة الوظيفية والإدارية تستوجب فعلًا هذا الحجم من الإنفاق؟

المسألة لا تنتهي عند تكلفة البناء. المبنى الضخم يعني كهرباء ومياه وصيانة ونظافة وأمنًا وتشغيلًا وتجديدًا وأعدادًا من الموظفين والخدمات وعقودًا سنوية تستمر لعشرات السنين. ولذلك فإنَّ السؤال الحقيقي ليس: كم سيكلف بناؤه؟ بل كم سيكلفنا وجوده طوال عمره التشغيلي ومن سيدفع لكي يفرض البعض رأيه دون اطلاع ورؤية أبعد؟

قد يُقال إنَّ المبنى واجهةٌ لعُمان، وإن الغرفة تستقبل وفودًا تجارية أجنبية وتعقد مؤتمرات ولقاءات. وهذا مفهوم، ولكن هل استقبال الوفود يتطلب مبنى بهذه الكلفة؟ أليست في السلطنة فنادق وقاعات ومراكز مؤتمرات ومنشآت قائمة على أعلى المستويات؟ وإذا كان استقبال الوفود يحتاج في كل مرة إلى منشأة جديدة، فإلى أين سنصل بهذه الفلسفة؟

لقد تغير العالم. كثير من الاجتماعات أصبحت تُعقد عن بُعد، والمعلومة تصل في ثوانٍ، والوفود والاتصالات التجارية لم تعد مرتبطة بمكتب فخم أو قاعة ضخمة، قيمة الغرفة في قدرتها على الوصول إلى الأسواق وحل مشكلات القطاع الخاص والتأثير في التشريعات الاقتصادية وخدمة التاجر، وليس في عدد أمتار الرخام في مبناها.

وحتى السفرات الخارجية ينبغي أن تخضع للمنطق نفسه. نحن لا نقول: لا تسافروا. ولكننا نسأل: ماذا تحقق من كل رحلة؟ ما الفرص التي عادت بها؟ وما العقود التي نتجت عنها؟ وما الشركات العُمانية التي استفادت؟ ينبغي أن يكون لكل وفد هدف معلن ونتيجة قابلة للقياس، لأننا في زمن لم يعد يقبل أن يكون السفر والوفود والمؤتمرات أهدافًا في ذاتها.

وفي المقابل، لدينا شباب يبحثون عن العمل، ومؤسسات صغيرة تكافح من أجل الاستمرار، ورواد أعمال يحتاج بعضهم إلى بضعة آلاف من الريالات ليحوّل فكرة جيدة إلى مشروع منتج. فإذا كنا نتحدث عن عشرات الملايين، فمن المشروع أن نسأل: كم مشروعًا للشباب يمكن أن يؤسس بهذا المال؟ وكم فرصة عمل يمكن أن يصنع؟ وكم صندوقًا تمويليًا أو برنامجًا للتدريب والتشغيل والابتكار يمكن أن ينشأ به؟

أنا لا أدعو إلى توزيع الأموال على الباحثين عن عمل كإعانات تنتهي بعد أشهر، بل إلى تحويل المال إلى رأس مال مُنتِج: صناديق وطنية، مشروعات، تمويل مدروس، تدريب مرتبط بالتوظيف، صناعات صغيرة، دعم للمؤسسات العُمانية القادرة على التوسع، واستثمارات تبقى أصولها وعوائدها للأجيال.

والأهم من المبنى كله هو أن نفتح نقاشًا أوسع وأكثر جرأة: هل النموذج الحالي لغرفة تجارة وصناعة عُمان هو النموذج الذي يحتاجه الاقتصاد العُماني في العقود القادمة؟

هذا السؤال لا ينبغي أن يخيف أحدًا. المؤسسات القوية هي التي تقبل مراجعة نفسها. نريد أن نعرف بوضوح: ما اختصاصات الغرفة التي لا تقوم بها وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار أو الجهات الأخرى؟ ما الخدمات التي يحصل عليها المنتسب مقابل ما يدفعه؟ هل العضوية والرسوم بالشكل الحالي تحقق قيمة حقيقية؟ هل يستطيع التاجر الصغير أن يقول بوضوح: نعم، وجود الغرفة ساعدني في عملي وزاد فرصي وحل مشكلاتي؟

فإن كانت الإجابة نعم، فلتعرض الغرفة ذلك للمجتمع بالأرقام والحقائق. وإن كانت هناك ازدواجية أو أعمال يمكن إنجازها بطريقة أقل كلفة وأكثر كفاءة، فإن مراجعتها ليست إساءة للغرفة، وإنما حماية لها وللاقتصاد الوطني.

ومن هنا، ومن هذا المنبر الوطني الكبير- صحيفة الرؤية- أرفع هذا الموضوع إلى أعلى مستويات الدولة، ليس اعتراضًا على مبنى فحسب، وإنما دعوة إلى مراجعة الفكرة من أساسها: ما الغرفة التي نُريدها لعُمان؟ وما حجمها؟ وما اختصاصاتها؟ وما كلفتها؟ وما العائد الاقتصادي والاجتماعي الذي تقدمه؟

فلنجلس على طاولة واحدة: الحكومة، والغرفة، والتجار، وأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والشباب، والخبراء الاقتصاديون. ولتُعرض الأرقام بشفافية، ثم نقرر على أساس المصلحة الوطنية.

نحن نريد مبنى عالميًا لعُمان، نعم. لكن العالمية لا يصنعها المبنى.

قد يكون المبنى متواضعًا، بينما المؤسسة التي تعمل داخله عظيمة في أثرها. وقد يكون المبنى بملايين الريالات، بينما يبحث التاجر الذي موّل جزءًا من هذه المنظومة عن إجابة لسؤال بسيط: ماذا قدمت لي؟

في هذه المرحلة من مسيرة عُمان، علينا أن نجعل الأولوية للإنسان، وللعمل، وللإنتاج، وللاستثمار الذي يصنع استثمارًا آخر. وإذا كان أمامنا عشرات الملايين، فإن السؤال الوطني الذي يجب أن يسبق وضع حجر الأساس هو:

هل أفضل مكان لهذه الملايين هو الجدران… أم الإنسان والاقتصاد وفرص العمل؟

وسيبقى اقتراحي الذي أؤمن به إلى آخر يوم من حياتي، الغرفة تمثل في كل مكتب وزارة عمل في كل الوطن لكي لا نخرج عن إطار العالمية، وما دون ذلك هو تبذير وضياع للوقت والفكر والجهود. وإذا كان المتحمسون والمدافعون عن الغرفة ويصرون على ضرورة تطويرها ووجودها؛ فليجعلوا مسألة الانتساب بكل حرية بين الرغبة من عدمها وليثبتوا للتاجر أن سحب خدماتها يؤثر عليه حتمًا وإلّا فإنه لا دفع دون مقابل.

الأكثر قراءة

z