الطب الإسلامي والطب الحديث.. تكامل أم تصادم؟ **

البُعد الأخلاقي في الطب الإسلامي

 

 

 

 

أ.د. حيدر بن أحمد اللواتي

 

بين فينةٍ وأخرى، وحين تضيق بالبشرية السُّبُل في مواجهة الأمراض الفتاكة، تنبعث دعوات شتى تنادي للارتواء من معين "الطب الإسلامي"، هذه الدعوات تارةً تأتي باسمها التراثي العريق، وتارةً أخرى تتخفى تحت عباءة مسميات مستحدثة، تُعيد صياغة القديم بقوالب عصرية لتستسيغها العقول الحاضرة، مدفوعةً إما بحنينٍ جارف إلى أمجاد الماضي، أو ببحثٍ دؤوب عن ملاذٍ يقي الجسد من الالتهابات ومن آثار العقاقير الكيميائية.

ولكيلا نظل في أسر العاطفة، ونقع في حبائل الالتباس، يصبح لزامًا علينا أن نخلع عن هذا المفهوم رداء الغموض، ونميط اللثام عن ماهية "الطب الإسلامي" الحقيقية؛ لنستجلي القواعد والأسس التي قام عليها صرحه، ثم نضعها في كفة الميزان قبالة الأسس التي تتربع عليها ركائز "الطب الحديث".

هذا التمحيص العلمي ليس مجرد ترفٍ فكري، بل هو ضرورة لإجابة لسؤال أكبر وأخطر: هل الخلاف الكامن بين طب الاسلامي والطب الحديث هو خلاف في "الفروع والتطبيقات" والأدوات، بحيث يمكن التوفيق بينهما ومد جسور التواصل؟ أم أننا أمام صدامٍ عميق في الأسس والقواعد، صدام ينطلق من رؤيتين مختلفتين لأسباب المرض وطرق العلاج، لدرجةٍ تجعل الجمع بينهما في نسقٍ علمي واحد صعبًا مُستصعَبًا؟

بدايةً، لا بُد من التوضيح أننا نقصد بالطب الإسلامي هنا، ذلك الطب الذي ازدهر في عصر الحضارة الإسلامية، لا سيما في العصر العباسي وما تلاه حتى القرن الخامس عشر الميلادي؛ وهو الطب الذي اشتهر به أعلام كبار مثل: ابن سينا، والرازي، وابن النفيس.

وقد تميز هذا الطب بإطار أخلاقي وإنساني مستمد من قيم القرآن الكريم والسنة المُطهَّرة؛ حيث رسَّخت هذه النصوص الأبعاد الغائية للمرض، بوصفه ابتلاءً يُمحص العبد أو حكمةً غيبية وراءها مقاصد إلهية، وتجلى هذا البُعد الروحي في ارتباط المهنة الوثيق بمبدأ الإيمان بالله تعالى كأصلٍ جامع لسكينة النفس، فلم يكن هذا المنزع الروحي طقسًا هامشيًا، بل مرجعيةً عقائدية تمنح الطبيب غايته الإنسانية الكبرى؛ فالأطباء المسلمون مارسوا مهنتهم انطلاقًا من أن الله سبحانه هو «الشافي الحقيقي»، وأن الطبيب والدواء ليسا سوى أسبابٍ مادية سخرها الخالق لإعانة خلقه، مما يربط سلامة الجسد بطمأنينة الروح، بل إنَّ المسلمين حافظوا على قسم أبوقراط الشهير ويُعرف هذا القسم تاريخيًا بأنه ميثاق أخلاقي طبي، وضعه الطبيب اليوناني أبقراط في القرن الخامس قبل الميلاد، ليحدد به المبادئ والالتزامات الأخلاقية والمسؤوليات التي يجب على الطبيب الالتزام بها تجاه مرضاه ومعلميه، مثل حفظ السرية، والامتناع عن إلحاق الأذى، وتجنب إعطاء العقاقير القاتلة، إلّا أن الفكر الإسلامي لم ينقل هذا الميثاق نقلًا جامدًا، بل أخضعه لعملية تثاقف وتهذيب شملت أبعاده العقائدية والتطبيقية؛ فحين كان القسم الأبقراطي في صيغته الوثنية القديمة يبدأ بالقسم بآلهة الإغريق كـ"أبولو" و"أسقليبيوس"، سارع أطباء الحضارة الإسلامية إلى إعادة صياغته ليتوافق مع عقيدة التوحيد، فاستُبدلت الآلهة بالقسم بـ"الله العلي القدير"، ودُمجت المبادئ الإنسانية لأبوقراط مع القيم القرآنية والنبويّة التي تجعل من الطب رسالة تعبدية تقوم على الرحمة، والأمانة، وحفظ أسرار المرضى.

ولم يعد القسم في ظل هذه الرؤية مجرد نص أدبي يُقرأ، بل تحوّل في عصر الازدهار العباسي إلى أداة مؤسسية وقانونية صارمة تحكم مخرجات التعليم الطبي؛ إذ أُدخل القسم كشرط أساسي وجزء لا يتجزأ من نظام الحسبة والرقابة الطبية، فكان لزامًا على كل طالب طب- بعد اجتيازه الامتحانات العلمية أمام كبير الأطباء- أن يؤدي هذا الميثاق الأخلاقي لينال "الإجازة" التي تسمح له بممارسة المهنة بين الناس.

هذه المأسسة الأخلاقية التي صهرتها الحضارة الإسلامية هي التي عبرت لاحقًا إلى الجامعات الأوروبية عبر حركة الترجمة الواسعة، لتشكل اللبنة الأولى للهوية المهنية للطبيب، واليوم، يتجلى هذا الإرث التاريخي المشترك في صيغ الأقسام الطبية المعاصرة التي تحولت إلى ثقافة راسخة وبروتوكول عالمي لا تكتمل مخرجات كليات الطب اليوم وعمليات تخرجها إلا بأدائه؛ ليبقى الميثاق الأخلاقي، الذي تلاقت فيه حكمة أبوقراط القديمة مع المنهجية الإسلامية، الضابط الأول والمسؤول عن صون شرف المهنة وحقوق الإنسان في الممارسات الطبية الحديثة.

لكن من الأهمية المنهجية بمكان التفريق بين هذا البُعد الفلسفي والأخلاقي المستمد من التراث الإسلامي واليوناني، وبين الآليات والأسس العلمية والعملية التي اقتبسها المسلمون من التجارب البشرية وطوروها، والتي خضعت لديهم للملاحظة، والتجريب، والنقد المستمر بعيدًا عن أي قداسة.

وهذا ما سنتحدث عنه في مقالنا المقبل بإذن الله تعالى؛ فللحديث بقية.

** سلسلة من المقالات تعرّف بالطب الإسلامي وتقارن أسسه مع أسس الطب الحديث

** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس

الأكثر قراءة

z