"لا تماشي المشلاق والمدلاق ونسيم لحزاق"

 

 

 

زاهر بن سيف بن سلطان المسكري

لم تكن القرية العُمانية مدرسةً لها جدرانٌ وسقوفٌ ومقاعد، ثم ينصرف منها الصبيُّ عند الظهيرة؛ بل كانت مدرسةً مفتوحةً تحت الشمس، يتعلم فيها الولد كيف يكون إنسانًا قبل أن يتعلم كيف يكون موظفًا، وكيف يكون رجلًا قبل أن يطلب من الدنيا أن تعترف برجولته.

كان التعليم فيها يبدأ من التفاصيل الصغيرة؛ من طريقة السلام، إلى أدب المجلس، ومن احترام الكبير إلى الرحمة بالصغير، ومن حفظ الجار إلى أمانة الطريق، ومن طريقة المشي إلى هيئة اللباس، ومن اختيار الصديق إلى معرفة متى يتكلم الإنسان ومتى يصمت.

وكان الآباء والأجداد يعلمون أن الطفل لا يتعلم بالكلمات وحدها؛ بل يتعلم بالقدوة، والمشاهدة، والصحبة، والتكرار.

ولهذا كانوا يراقبون أبناءهم بعين المحبة والخبرة، فإذا رأوا في طريق الولد صحبةً لا تليق به، قالوا له كلمةً قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل وراءها فلسفةً كاملة في صناعة الإنسان: «لا تماشي المشلاق، والمدلاق، ونسيم لحزاق»؛ أي: لا تمشِ مع هؤلاء، ولا تجعلهم من خاصتك وخلّانك.

وليس المقصود أن الإنسان يُحكم عليه من مظهر واحد، ولا أن عيبًا عابرًا يجعل صاحبه سيئًا؛ وإنما كان المثل العُماني يستخدم هذه الصور اليومية رموزًا تربوية لصفات أعمق: قلة الانضباط، وضعف الاعتناء بالنفس، وغياب الوقار، وعدم مراعاة من حول الإنسان.

أولهم: المشلاق فمن هو؟

المشلاق في الوصف الشعبي هو الذي لا يحسن أدب الطعام؛ فإذا وضع اللقمة، وخاصة التمر، في فمه، ظل يمضغ وفمه مفتوح، فيخرج صوت المضغ، فيتأذى من حوله، وربما وجد الجالس حرجًا في تنبيهه، خصوصًا إن كان أكبر سنًا.

وقد يبدو الأمر لأول وهلة صغيرًا. ولكن أهل عُمان بعروبتهم لم يكونوا ينظرون إلى الصوت وحده. كانوا يريدون أن يعلموا الصبي أن الإنسان يعيش بين الناس، وليس وحده. فإذا أكل، كان مراعيًا في تلك المائدة لمن يأكل معه ولا يسابقه في الأكل.

وإذا جلس، راعى المجلس وكان يخدم من هو أكبر منه.

وإذا تحلق معهم، راعى اسماع الحاضرين بالإنصات الى درر الحكم منهم في الأقوال والى خبرات الحياة التي تزيد عقله نضجا.

وإذا فعل شيئًا، سأل نفسه: هل أؤذي به من حولي؟

وهذه في جوهرها ليست قضية طعام؛ إنها قضية مراعاة؛ فالرجولة ليست قوة الجسد وحدها؛ بل أن تستطيع ضبط جسدك ولسانك وعاداتك حين تكون بين الخلق من الناس.

إن الرجل الذي لا يستطيع أن يضبط نفسه في مجلس ما من المجالس، فكيف يحمل أمانةً كبيرة؟

ومن هنا كانت آداب المائدة في القرية تدريبًا مبكرًا على المسؤولية.

وثانيهم: المدلاق

أما المدلاق، فهو في الوصف الشعبي العُماني ذلك الذي لا يعتني بهندامه، فيخرج بين الناس وصدر ثوبه مفتوح، ولا يبالي بهيئته في مجتمع محافظ جعل للثوب موضعًا من الوقار والاحتشام والزينة ورمزًا من رموز الهوية الصامتة والبهاء.

وكان فتح الصدارة في عرف المجتمع العُماني المحافظ أمرًا مستهجنًا، لا لأن قيمة الإنسان تُقاس بثوبه، ولكن لأن الهيئة عندهم رسالة أخلاق وكرامة؛ فاللباس يقول شيئًا عن صاحبه. والنظافة تقول شيئًا. والترتيب يقول شيئًا. والاهتمام بالمظهر في حدود الأدب يقول شيئًا.

لم يكن العُمانيون يريدون من الولد أن يكون متأنقًا ليتفاخر على الناس، بل يريدونه أن يفهم أن الإنسان حين يخرج من بيته فإنه يدخل فضاءً مشتركًا، وأن عليه أن يظهر بصورة تليق بنفسه وأهله ومجتمعه.

فالرجولة ليست أن يقول الشاب: «أنا حر أفعل ما أشاء»؛ بل أن يقول: «أنا حر، ولذلك أتحمل مسؤولية ما أفعل».

وهنا الفرق بين الحرية والفوضى. وبين القوة والانفلات، وبين الرجولة والطيش.

وثالثهم: نسيم لحزاق

وأما نسيم لحزاق، فهو في الوصف الشعبي ذلك المحسوب بأنه رجل ناقص الرجولة والذي لم يشد إزاره حينما لبسه كما ينبغي قبل خروجه الى وجهته، فيظل أثناء مشيه يرفعه أو يمسكه خشية أن يسقط، وقد يتعثر في خطواته، أو يسحب قدميه في الطريق بدل أن يمشي مشيةً مستقيمةً متزنة، والصورة هنا أبلغ من مجرد إزار؛ فالأجداد كانوا يربون الولد على أن هيئة الإنسان جزء من انضباطه.

قف مستقيمًا ولا تجعل يديك في خصرك، امشِ بثبات، اعرف كيف تجلس، اعرف كيف تدخل المجلس وكيف تخرج منه، اعرف كيف تبرز ملبسك. اعرف كيف تحمل نفسك؛ فإن الرجل الذي لا يعرف كيف يحمل نفسه، يصعب عليه أن يحمل مسؤولية غيره. وليس معنى ذلك أن الرجولة مشيةٌ متكبرة، أو صوتٌ مرتفع، أو عبوسٌ في الوجه؛ بل على العكس. الرجولة وقارٌ بلا تكبر، وقوةٌ بلا ظلم، وهيبةٌ بلا تخويف، وحزمٌ بلا قسوة.

لكن أعمق ما في المثل: «لا تماشي». وهنا تكمن الحكمة التي ربما كانت أهم من المشلاق والمدلاق ونسيم لحزاق جميعًا.

لم يقل المثل: لا تكن مشلاقًا فحسب، ولم يقل: لا تكن مدلاقًا؛ بل قال: «لا تماشي»؛ أي: اختر من تمشي معه؛ فالإنسان ابنُ صحبته بقدر ما هو ابنُ بيته. والصديق لا يعطيك اسمه فقط؛ بل يعطيك شيئًا من طباعه، ولغته، وعاداته، وطريقة تفكيره، ونظرته إلى الحياة. ومن هنا كان الأجداد يخافون على الولد من الصحبة أكثر مما يخافون عليه من كثير من الأشياء؛ لأن الصديق يدخل إلى الإنسان من الباب الذي لا يستطيع الغريب أن يدخله.

يجلس معه، يحادثه، يضحك معه ويعلمه. ويكرر أمامه الكلمات. ويجعل الخطأ مألوفًا حتى لا يعود خطًا في عينه. ثم يتحول المألوف إلى عادة ثم تتحول العادة إلى طبع. ثم يصبح الطبع جزءًا من الشخصية. وهكذا تبدأ الحكاية كلها من: «فلان صاحبي».

ولهذا كانت الوصية: انتقِ من تمشي معه قبل أن تسأل أين ستصل.

الرجولة ليست عضلات

لقد أخطأت أجيالٌ كثيرة حين اختزلت الرجولة في القوة الجسدية والعضلات المنفوخة في الصالات الرياضية الحديثة وكم وجدتهم بعقول ضحلة وسطحية خالية ومجوفة من فكر ينفع الأمة؛ فالعضلة لا تصنع رجلًا. والصوت المرتفع لا يصنع رجلًا. والقدرة على الخصام لا تصنع رجلًا. والخوف الذي يصنعه الإنسان في قلوب الناس ليس هيبةً؛ قد يكون خوفًا فقط.

أما الهيبة الحقيقية، فتولد من شخصيةٍ يعرف صاحبها حدودها حين روض نفسه عليها، وحفظ لنفسه كرامتها، وحفظ كرامة الآخرين والرجل الحقيقي هو الذي إذا قدر لم يظلم، وإذا غضب لم يفجر، وإذا اختلف لم يسب، وإذا ائتمنته لم يخنك، وإذا وعدك أوفى، وإذا رأى ضعيفًا أعانه، وإذا رأى كبيرًا وقّره، وإذا رأى صغيرًا رحمه، وإذا جلس في مجلس عرف قدر المجلس.

وإذا خرج إلى الطريق عرف أنه ليس وحده في هذا العالم.

تلك هي القوة التي لا تحتاج إلى استعراض.

القرية العُمانية كانت تصنع الرجل بالتفاصيل كنسيج ثوب ساجه معلم نساجٌ و محترف. ومن عظمة التربية الشعبية في القرية العُمانية أنها لم تنتظر حتى يكبر الولد ثم تقول له: كن مسؤولًا؛ بل كانت تدربه على المسؤولية وهو صغير.

تقول له: نظف ثوبك. احفظ لسانك. احترم مجلسك. أكرم ضيفك. لا تؤذِ جارك. لا تتقدم على الكبير. لا ترفع صوتك بلا حاجة. احفظ أمانتك. اختر أصحابك. ساعد أهلك. اعرف طريقك. ولا تجعل نفسك أضحوكةً بين الناس.

كانت هذه التفاصيل الصغيرة، في مجموعها، هندسةً أخلاقية للإنسان؛ فالقرية لم تكن تربي جسد الولد فقط؛ كانت تربي فيه الانضباط الداخلي.

ومن هنا تبدأ القوة.

يا بني، وهنا يذكرني القرآن العظيم حين قدم لنا الحكيم لقمان وهو يعض ولده.

ونحن نقول للولد إذا أردت أن تكون قويًا، فلا تبدأ بعضلاتك. ابدأ بنفسك. اضبط نومك. اضبط لسانك. اضبط غضبك. اضبط شهواتك. اضبط مالك. اضبط صداقاتك. اضبط هيئتك. اضبط وقتك؛ فإن استطعت أن تقود نفسك وتؤدبها، استطعت أن تحمل مسؤولية غيرك، وإن عجزت عن قيادة نفسك بالأدب، فلن تنفعك كل مظاهر القوة التي حولك.

القوة الأولى أن تملك نفسك. والهيبة الأولى أن يحترمك الناس من غير أن تخيفهم. والرجولة الأولى أن تكون أمينًا حين لا يراك أحد.

«لا تماشي» ليست دعوةً إلى احتقار الناس، وهنا يجب أن نفهم حكمة الآباء بفهمٍ ناضج؛ فالمثل الشعبي ابنُ زمنه وبيئته، ونحن نستفيد من حكمته التربوية دون أن نحولها إلى أداةٍ لإهانة إنسان.

فقد يخطئ رجل في هيئة لباسه، أو في طريقة أكله، أو في مشيته، وهو مع ذلك صاحب قلب كريم، وعقل راجح، وخلق عظيم.

وقد تجد إنسانًا شديد الأناقة، مستقيم الهيئة، حسن المظهر، لكنه سيئ الخلق، خائن الأمانة، مؤذٍ للناس وكم شهدنا على ذلك.

إذن ليست القضية في المظهر وحده، إنما المظهر كان عند الأجداد بابًا إلى معنى أعمق: الانضباط ومراعاة الآخرين.

وهنا تصبح الحكمة صالحةً لكل زمان: لا تبحث عن صاحبٍ كامل؛ ابحث عن صاحبٍ يدفعك إلى الكمال. ولا تجعل صداقتك قائمةً على أن تشبه صاحبك في كل شيء؛ بل اجعلها قائمةً على أن يعين أحدكما الآخر على الخير.

يا أبناء القرى العُمانية…

لقد ورثتم من آبائكم ما هو أكثر من بيوتٍ وحاراتٍ وأفلاجٍ ونخيل. ورثتم منظومةً من السلوك. ورثتم مجلسًا (هو السبلة) له حرمة. وطريقًا له أدب. وجارًا له حق. وكبيرًا له مكانة. وصغيرًا له رحمة. وضيفًا له كرامة. وماءً له أمانة. وصحبةً لها أثر؛ فلا تجعلوا الحداثة تعني إسقاط كل ما ورثتموه.

خذوا من العالم علمه. وخذوا من العصر أدواته. وخذوا من التقنية سرعتها ولكن لا تسلموا لها ميزانكم الأخلاقي؛ فالأمم لا تفقد هويتها عندما تتغير مبانيها، وإنما تفقدها عندما يتغير الإنسان الذي يسكن تلك المباني.

"إنما الأمم الأخلاق ما بقيت // إن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا"

يا بني… اختر رفقاؤك بموازين الأخلاق المحمدية لأنه حين تخرج إلى الحياة، ستجد آلاف الوجوه.

ليس كل من ضحك معك صديقًا. وليس كل من دعاك إلى مجلسه صاحبًا. وليس كل من وافقك رجلًا. راقب أفعال الإنسان حين يغضب. راقب أمانته حين يغيب الرقيب. راقب حديثه عن الناس. راقب معاملته لمن لا يحتاج إليه. راقب موقفه من الضعيف. راقب علاقته بأهله. راقب احترامه للكبير. راقب قدرته على الاعتذار. راقب صلاته وصيامه ونبرات صوته وحركاته وتحركاته الفكرية وأصل البيت الذي رباه وتربى فيه.

فهناك، في هذه التفاصيل، ترى معدن الرجل وأما الكلام فكل إنسان يستطيع أن يتكلم.

خاتمة: صناعة الرجل

كان أجدادنا يقولون: «لا تماشي المشلاق والمدلاق ونسيم لحزاق». وقد تبدو العبارة اليوم لأول وهلة حديثًا عن ثلاثة أشخاص وصفهم الموروث الشعبي بثلاثة أوصاف في الطعام واللباس والمشي. لكن حين نفتح باب الحكمة نجد شيئًا أكبر: لا تصاحب الفوضى. لا تصاحب من يستخف بالآداب. لا تصاحب من لا يحترم نفسه ولا من حوله. لا تجعل العيب مألوفًا في حياتك لأن صاحبك اعتاده. ولا تجعل الخطأ صديقًا لك حتى يصبح بعد زمنٍ جزءًا منك!

وفي المقابل: صاحِبْ صاحبَ الخلق. صاحبْ صاحبَ الأمانة. صاحبْ صاحبَ العلم. صاحبْ صاحبَ المروءة. صاحبْ صاحبَ من إذا أخطأ اعتذر، وإذا وعد أوفى. وإذا قدر عفا. وإذا رأى محتاجًا أعان. وإذا دخل مجلسًا احترم أهله. وإذا خرج منه حفظ أسراره فور تخطيه عتبة الباب.

تلك هي مدرسة الرجولة؛ فالرجولة ليست أن يخاف منك الناس؛ بل أن يأمنك الناس. وليست أن ترفع صوتك، بل أن يكون لك وزنٌ حين تتكلم. وليست أن تقسو، بل أن تستطيع القوة وتختار الرحمة. وليست أن تمشي أمام الناس متعاليًا، بل أن تمشي بينهم مستقيمًا، عفيفًا، وقورًا، نافعًا.

وهكذا كانت القرية العُمانية، في كثير من تفاصيل تربيتها الشعبية، تبني الرجل قبل أن تبني صاحب المهنة، وتبني الإنسان قبل أن تبني الموظف، وتزرع في الصبي منذ نعومة أظفاره أن هيبة الرجل تبدأ من احترامه لنفسه، وتكتمل باحترامه للناس.

وإذا أردنا أن نعيد للجيل قوته، فلا نبدأ بالصراخ في وجهه: «كن رجلًا!»

بل نأخذه بيده ونعلمه كيف يكون رجلًا، من لقمةٍ يأكلها بأدب، وإلى ثوبٍ يلبسه بوقار وإلى خطوةٍ يمشيها بثبات وكأنه كتاب يرشد الناس الى ما ينبغي ان يكون قدوة لهم، وإلى صاحبٍ يختاره بعقل، أمانةٍ يحملها بقلب، و موقفٍ يقفه حين يحتاجه الناس.

فمن هنا يبدأ الرجل، وتبدأ المروءة المقرونة بالهيبة.

ومن هنا تبدأ صناعة الإنسان الذي تفرح به أسرته، ويطمئن إليه مجتمعه، وتستقيم به الحياة.. وشكرًا ثم شكرًا للقرية العُمانية أم أمة الأخلاق العُمانية وتراث ورثناه من جيل الى جيل والشكر وكل الشكر للجندي المجهول الذي ربى البيت والقرية المتمثل في الأم والتي قال الشاعر محمد حافظ ابراهيم شاعر النيل فيها:

"الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها

أعدتَ شعبًا طيب الأعراق

الأمُّ روضٌ إن تعهده الحيا

بالريّ أورق أيّما إيراق"

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z