ناصر بن سلطان العموري
حادثٌ مؤلم شهدته ولاية سمائل مساء الجمعة الماضي، وهو مُؤلم ومُفجِع بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ إذ أسفر عن وفاة 6 أشخاص وإصابة 18 آخرين، بينهم 8 حالات حرجة، وهو ما يفتح أمامنا بابًا أوسع للنقاش حول السلامة المرورية في شوارعنا، خصوصًا مع اتساع حركة النقل وتزايد أعداد الشاحنات على بعض الطرق؛ فالمشكلة لا تتعلق بحادث واحد أو بمركبة بعينها، وإنما بمنظومة متكاملة يجب أن تظل في حالة مراجعة وتطوير مستمرين.
وتُشير البيانات الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أن سلطنة عُمان سجلت خلال عام 2025 ما مجموعه 1545 حادثًا مروريًا، نتج عنها 595 حالة وفاة و1597 إصابة. ورغم انخفاض العدد الإجمالي للحوادث مقارنة بالعامين السابقين، فإن أعداد الوفيات والإصابات تظل مؤشرًا يستدعي مواصلة العمل على الحد من الحوادث وتقليل آثارها، خصوصًا تلك التي تنطوي على مركبات ثقيلة أو تقع في طرق تشهد كثافة مرورية.
وللحد من تكرار مثل هذه الحوادث، لا بُد من التعامل مع السلامة المرورية باعتبارها منظومة متكاملة تبدأ من المركبة، وتمُر بالطريق والأنظمة والرقابة، وتنتهي بسلوك السائق.
وفي السلامة المرورية، لا ينبغي أن ننتظر وقوع الحادث حتى نبحث عن أسبابه؛ بل علينا أن نعمل دائمًا على منع وقوعه قبل فوات الأوان.
وتأتي الشاحنات الثقيلة في مقدمة المركبات التي تستدعي مزيدًا من الاهتمام، نظرًا إلى حجمها ووزن حمولاتها وطول مسافة توقفها، ولذلك فإن الالتزام بالفحص الفني الدوري للمكابح (الفرامل) والإطارات والإضاءة، والتقيد بالحمولة المسموح بها وتثبيتها وفق الاشتراطات، أمور لا تحتمل التهاون كما أن مراقبة ساعات عمل السائقين والتأكد من حصولهم على الراحة الكافية أمر بالغ الأهمية، فالإرهاق خلف المقود قد يحول لحظة عابرة إلى كارثة.
وفي المقابل، هناك حقيقة أخرى ينبغي ألا تغيب عن النقاش، وهي حركة الشاحنات على بعض الطرق العُمانية مرشحة للنمو مع تنامي النشاط الاقتصادي واللوجستي، وفي مقدمة ذلك ما تشهده الموانئ والمناطق الاقتصادية، ومنها ميناء الدقم، من توسع في الأنشطة والحركة التجارية.
كما أن المتغيرات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة وما تفرضه من تحولات في حركة التجارة والملاحة قد تُعزِّز مُستقبلًا من أهمية الموانئ العُمانية، وهو ما يعني أن زيادة حركة النقل البري ليست بالضرورة أمرًا سلبيًا؛ بل قد تكون انعكاسًا طبيعيًا لنمو اقتصادي ولوجستي مهم تسعى السلطنة إلى تعزيزه لكن النمو الاقتصادي، مهما كانت أهميته، يحتاج إلى أن تسير معه السلامة على الطريق بالسرعة نفسها.
ورغم أنَّ خط قطار الشحن يمثل الحلم القادم، وما يمكن أن يقدمه مستقبلًا من حلول لتخفيف الضغط عن الطرق ونقل كميات كبيرة من البضائع بكفاءة أكبر، فإن ذلك يظل جزءًا من مستقبل ننتظره أما اليوم والغد، فهما يحتاجان إلى حلول واقعية وفورية تواكب حركة النقل المتزايدة فالتنمية يمكن أن تنتظر بعض المشاريع، أما الأرواح فلا تحتمل الانتظار، وسلامتها يجب أن تكون الأولوية التي تسبق كل اعتبار.
لكن هذا النمو الاقتصادي المهم ينبغي أن يرافقه تخطيط مروري يتناسب مع حجم الحركة المتزايدة، بما يضمن سلامة الشاحنات ومستخدمي الطريق على حد سواء؛ فالمطلوب ليس الحد من حركة الشاحنات أو النشاط التجاري، وإنما تنظيمه بصورة أكثر كفاءة، من خلال تطوير الطرق والمسارات المناسبة للشاحنات، وتوفير ساحات آمنة للتوقف، وتعزيز الرقابة وإدارة الحركة.
وعلى مستوى التنظيم، فإنَّ تحديد أوقات سير الشاحنات الثقيلة وإبعادها عن ساعات الذروة يمثل خطوة مهمة في تخفيف الازدحام وتقليل الاحتكاك بينها وبين المركبات الخفيفة ولتعزيز فاعلية هذه الإجراءات، من المهم استمرار الرقابة على مدى الالتزام بالأنظمة، وتطبيقها على المخالفين، ودراسة احتياجات الطرق المختلفة وفق كثافتها المرورية.
كما يبرز جانب آخر يتمثل في التحذير المُبكِّر عند وقوع الحوادث والازدحامات المفاجئة؛ فالحادث الأول قد يتحول إلى سبب لحادث ثانٍ أكثر خطورة إذا وصل السائقون إلى موقعه دون معرفة مسبقة بما ينتظرهم.
ومن هنا تأتي أهمية توظيف التقنيات الحديثة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في رصد الحوادث والازدحامات والتنبيه إليها في أسرع وقت ممكن، وربط أنظمة المرور والطوارئ باللوحات الإلكترونية وتطبيقات الملاحة والأنظمة الذكية يكون تنبيه يصل إلى السائق قبل دقائق من وصوله إلى موقع حادث، كافيًا لكي يخفف سرعته أو يغير مساره، وربما يكون هذا التنبيه البسيط هو الفارق بين النجاة ووقوع مأساة جديدة. كما أن مراجعة المواقع التي تتكرر فيها الحوادث، ودراسة أسبابها بصورة علمية، ثم معالجة الخلل هندسيًا، يجب أن تكون جزءًا دائمًا من منظومة السلامة، بدل الاكتفاء بالتعامل مع الحوادث بعد وقوعها.
ويبقى الوعي المجتمعي هو الحلقة التي لا يمكن الاستغناء عنها؛ فقائد المركبة الصغيرة، مثلما يجب أن يلتزم بأنظمة المرور، عليه أيضًا أن يدرك طبيعة الشاحنات ومسافة توقفها الطويلة ونقاطها العمياء. ترك مسافة أمان كافية، وتجنب الالتصاق بالشاحنات، والتأني عند التجاوز، والابتعاد عن النقاط العمياء، ليست مجرد نصائح مرورية عابرة؛ بل سلوكيات قد تنقذ حياة إنسان.
إنَّ حادث سمائل، بما خلفه من وفيات وإصابات، لا ينبغي أن ينتهي أثره بانتهاء عمليات الإنقاذ أو بتوقف الحديث عنه في وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي؛ بل يجب أن يكون مناسبة لمراجعة منظومة السلامة المرورية بأكملها، والسؤال بجدية: هل ما نقوم به اليوم كافٍ لمواجهة حركة النقل التي ستشهد مزيدًا من النمو في السنوات المقبلة؟
حماية الأرواح على الطرق لا تتحقق بإجراء واحد أو جهة واحدة. إنها مسؤولية مشتركة تبدأ من مركبة آمنة، وطريق مهيأ، وسائق مؤهل، ورقابة فاعلة، وتشريعات مواكبة، وتقنيات قادرة على التحذير المبكر، وتنتهي بوعي كل مستخدم للطريق؛ فكل إجراء يسبق الخطر، وكل تنبيه يصل في الوقت المناسب، وكل سلوك مسؤول خلف المقود، قد يكون الفارق بين حادث عابر ومأساة جديدة.
النمو اللوجستي والاقتصادي يمثل فرصة مهمة للسلطنة، لكن نجاحه ينبغي أن يسير جنبًا إلى جنب مع سلامة الإنسان. والتنمية الاقتصادية والسلامة المرورية يجب أن تسيرا في الطريق نفسه؛ لأن أغلى ما في كل طريق ليس ما تنقله الشاحنات، وإنما الأرواح التي تسير عليه.
رحم الله المتوفين، ونسأل الله الشفاء العاجل للمصابين، وأن يحفظ الله الجميع على طرق السلطنة.
