العلاج بالخارج.. قصة أحمد تختصر المعاناة

 

 

 

 

 

ناصر بن سلطان العموري

nasser.alamoori@gmail.com

 

 

تصلنا أحيانًا رسائل لا تُكتب بالحِبر، وإنما تُكتب بقطرات الألم والحرقة؛ رسائل تختصر في كلماتها حكايات أسر أنهكها المرض، وأثقلتها تكاليف العلاج، وأرهقتها رحلة البحث عن بارقة أمل.

من بين تلك الرسائل، وصلتني رسالة أبٍ مكلوم يتحدث عن فلذة كبده، ابنه «أحمد»، الذي تختزل حالته الصحية مُعاناة أسرة عُمانية تخوض منذ 8 سنوات رحلة شاقة بين المستشفيات ومراكز العلاج، بحثًا عن العلاج والأمل.

تعود فصول هذه القصة إلى أكتوبر من عام 2018، حين تعرض الطفل أحمد لحادث سير مروّع، مكث على إثره في العناية المركزة لأكثر من 3 أشهر، بعد إصابة بالغة في الرأس أفقدته القدرة على الكلام، إلى جانب إصابة حادة في النخاع الشوكي أقعدته عن الحركة.

ومنذ ذلك اليوم، بدأت الأسرة رحلة طويلة مع العلاج الطبيعي المكثف، بناءً على توصيات الأطباء، لتبدأ معها في الوقت ذاته رحلة أخرى لا تقل صعوبة؛ رحلة البحث عن الدعم وتوفير تكاليف العلاج.

يقول والد أحمد إنه حاول طرق أبواب الجهات المعنية، إلّا أنَّ الأسرة واجهت- بحسب إفادته- سلسلة من الإجراءات والموافقات التي جعلت الحصول على الدعم أمرًا بالغ الصعوبة، في وقت كانت فيه حالة ابنه الصحية تتطلب سرعة في اتخاذ القرار.

وهنا يبرز السؤال: هل تحتاج الحالات الإنسانية والصحية العاجلة إلى كل هذه المراحل والإجراءات قبل أن تجد طريقها إلى الدعم؟ وهل يمكن إيجاد مسار استثنائي وسريع للحالات التي لا تحتمل الانتظار، خصوصًا عندما يكون الزمن عاملًا مؤثرًا في فرص العلاج والتحسن؟

وأمام طول الانتظار، لم يجد الأب بدًا من الاعتماد على نفسه، فأنفق ما يملك من مدخرات، وسافر بابنه إلى جمهورية الهند؛ حيث مكث هناك قرابة شهرين، وحين نفدت آخر مدخراته، عاد إلى أرض الوطن دون النتائج التي كان يأملها.

لكن رحلة البحث عن الأمل لم تتوقف؛ فقد واصل الأب علاج ابنه في مراكز خاصة داخل السلطنة، رغم ارتفاع التكاليف، حتى استنزفت الأسرة معظم ما تملك، ولم يتبقَ لها سوى منزل يأويها وسيارة تقضي بها احتياجاتها اليومية.

وفي عام 2020، تجدَّد الأمل من جديد، هذه المرة في أحد مراكز العلاج الطبيعي في تايلاند جمعت الأسرة ما استطاعت توفيره من قبل أهل الخير والأيادي البيضاء، وسافر الأب لثلاثة أشهر، على أمل أن تحمل تلك الرحلة نتيجة مختلفة، لكن المشهد تكرر؛ تنتهي فترة العلاج، وتنتهي معها الأموال، ويعود الأب إلى نقطة البداية.

ثم كانت المحطة التالية في إيران، بحثًا عن استشارات طبية متقدمة، إلّا أن هذه الرحلة أيضًا لم تحقق النتائج الملموسة التي كانت الأسرة تتطلع إليها.

ثماني سنوات إذن من التنقل بين بلد وآخر، ومن مركز علاجي إلى آخر، ومن باب أمل إلى باب أمل جديد، بينما تستنزف الحالة الأسرة ماديًا ونفسيًا.

يقول والده، بنبرة يملؤها الانكسار: "أنا حاليًا خارج سلطنة عُمان منذ شهر أكتوبر من عام 2025، تركت عائلتي مجبرًا لا مخيرًا من أجل علاج فلذة كبدي؛ حيث يرقد ابني أحمد الآن في جمهورية مصر العربية، ويخضع لبرنامج علاجي مزدوج بين العلاج الطبيعي وعلاج النخاع الشوكي عبر برنامج علاجي يستمر لمدة عام كامل".

ويضيف الأب: «بصفتي ابنًا من أبناء هذا الوطن الغالي، أرجو وأتطلع إلى أن أجد الدعم والمساندة في تحمل تكاليف علاج ابني؛ حيث إن قواي المعنوية والمادية قد كلّت وملّت، ولم يبقَ لي مُعين سوى الله".

انتهت رسالة الأب، لكن المعاناة لا تنتهي.

ثماني سنوات بذلت خلالها الأسرة الغالي والنفيس، واستنزفت مدخراتها، وطرقت أبواب الأقارب والأصدقاء وأهل الخير، وباعت ما استطاعت بيعه، ولم يتبقَ لها سوى النذر اليسير وبذلت كل ما تستطيع من أجل طفلها.

وهنا لا يتعلق الأمر بأحمد وحده، ولا بأسرة واحدة فقط؛ فالقصة تفتح بابًا أوسع للنقاش حول الحالات التي تحتاج إلى علاج خارج السلطنة، وحول قدرة الأسر محدودة ومتوسطة الدخل على تحمل رحلة علاج قد تمتد لأشهر أو سنوات.

وهنا يبرز السؤال: هل تحتاج الحالات الإنسانية والصحية العاجلة إلى رحلة طويلة من الإجراءات قبل أن تصل إلى الدعم؟ وهل يُمكن إيجاد مسار سريع واستثنائي للحالات التي لا تحتمل الانتظار؟

إنَّ المواطن المُرهَق نفسيًا وماديًا من تبعات مرض أحد أفراد أسرته لا ينبغي أن يجد نفسه أمام «رحلة إجراءات» أخرى بحثًا عن الدعم، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بطفل يحتاج إلى علاج مستمر.

قصة أحمد لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها حالة فردية فحسب، بل باعتبارها دعوة للتفكير في منظومة أكثر سرعة ومرونة للتعامل مع الحالات التي تحتاج إلى العلاج خارج السلطنة، تحفظ كرامة المواطن وتخفف عن الأسر المنهكة عبء البحث بين الجهات المختلفة.

أحمد ليس مجرد حالة إنسانية؛ بل سؤال مفتوح: كيف يمكن أن نصل إلى المواطن عندما يكون في أشد لحظات ضعفه، قبل أن يستنزف المرض مدخراته، وقبل أن تتحول رحلة العلاج إلى رحلة عمر؟

هذه رسالة أبعث بها إلى الجهات ذات العلاقة، وأقول لهم: قد لا نستطيع تغيير ما حدث لأحمد، لكننا نستطيع أن نُخفِّف عن أسرته ثقل الطريق، ونمنحها بصيصًا من الأمل الذي ظلَّت تبحث عنه طوال ثماني سنوات.. فهل من مُجيب؟!

الأكثر قراءة

z