الجبل الأخضر.. جمال يستحق أكثر

 

 

 

 

ناصر بن سلطان العموري

nasser.alamoori@gmail.com

خلال الفترة الماضية، كانت لي زيارة سياحية رفقة العائلة إلى الجبل الأخضر؛ تلك الوجهة التي لا يحتاج جمالها إلى كثير من الوصف؛ طبيعة آسرة، وأجواء مختلفة، وقرى جبلية عتيقة، ومدرجات زراعية تروي قصة علاقة الإنسان بالمكان، ومنتجات ارتبط اسمها بالجبل، وفي مقدمتها الرمان.

كانت الرحلة جميلة بكل تفاصيلها، إلّا أن عين السائح، إلى جانب استمتاعها بجمال المكان، تلتقط بعض التفاصيل التي قد تصنع فارقًا كبيرًا في تجربته ومن هنا جاءت هذه الملاحظات، لا من باب الانتقاد، وإنما من قناعة بأن الجبل الأخضر يمتلك من المقومات ما يجعله قادرًا على تقديم تجربة سياحية أكثر تكاملًا وجاذبية.

وقبل كل ذلك، لا بُد أن يقترن تطوير التجربة السياحية بتأهيل البنية الأساسية وتعزيز سلامة الطرق؛ فبعض الطرق المؤدية إلى القرى السياحية محدودة السعة، وصُممت في الأساس لحركة محلية بسيطة، بينما تستقبل اليوم أعدادًا متزايدة من الزوار ومع تنامي الحركة السياحية، تصبح توسعة بعض الطرق، وإيجاد أكتاف مناسبة، وتحسين وسائل السلامة والإرشادات، من الأولويات التي تستحق النظر؛ حفاظًا على سلامة السائح والمقيم، وتهيئة المكان ليستوعب نموه السياحي المتوقع.

أما مهرجان الجبل الأخضر، فهو جهد يستحق الشكر والتقدير للقائمين على تنظيمه، لكنه في المقابل يحتاج إلى تطوير وتجديد مستمر، حتى لا يبقى مجرد فعالية موسمية عابرة فالجبل الأخضر يتميز بمناخه الاستثنائي، مما يفتح الباب واسعًا لاستغلال هذه الأجواء في إقامة مهرجانات وفعاليات متنوعة ومستدامة على مدار العام، لتتحول المنطقة إلى وجهة حية نابضة بالحياة في الصيف والشتاء على حد سواء، بدلًا من انحصار الحراك السياحي في مواسم محددة.

وفي هذا السياق، ومن خلال التجول في بعض فعاليات مهرجان الجبل الأخضر، يُلاحظ وجود عمالة وافدة ضمن المشاركين في تنظيم وتقديم بعض الفعاليات وهو أمر لا ينتقص من جهودهم أو من دورهم، فلكل مشارك إسهامه الذي يُقدّر، لكن في المقابل يبرز سؤال جدير بالطرح لماذا لا تكون هناك مساحة أكبر لشباب الفرق الأهلية وأبناء الجبل الأخضر للمشاركة في تنظيم وإدارة هذه الفعاليات؟ فهؤلاء الشباب هم أبناء المكان، والأقرب إلى معرفة تفاصيله وخصوصيته، والأقدر على ابتكار أفكار تنبع من بيئته وتحكي قصته بطريقة مختلفة وربما لا يحتاج الأمر أكثر من منحهم الثقة والمساحة الكافية للإبداع، إلى جانب الدعم والتوجيه اللازمين.

كنوز الجبل الأخضر السياحية لا ينبغي أن تبرز بالمكان وحده، وإنما أيضًا بالعقول الوطنية المبدعة التي تعرف قيمة هذا المكان وتؤمن بقدراته وحين نمنح الشباب الثقة، فإننا لا نشركهم في تنظيم فعالية فحسب، بل نمنحهم فرصة لصناعة تجربة سياحية تحمل بصمتهم، وتفتح أمامهم أبوابًا للعمل والإبداع والمسؤولية.

وفي السياق ذاته، كانت لي زيارة إلى فعالية «رمانة» بتوقعات كبيرة؛ فالرمان ليس مجرد محصول زراعي، بل أحد الرموز التي ارتبط بها الجبل الأخضر، وأحد عناصر هويته الزراعية والسياحية وقد تضمنت الفعالية بعض العناصر، من بينها المقهى، والمشتل، وتجارب مرتبطة بالرمان، ومنها قطفه وعصره وتذوقه، إلّا أنها في مجملها لم تكن، في تقديري، بمستوى التوقعات من حيث التنوع والإبداع، خصوصًا أن اسم «رمانة» وما يمثله الرمان من رمزية للمكان يرفع سقف التوقعات لدى الزائر.

وبعض هذه التجارب ترتبط برسوم قد تكون مرتفعة فوق تذكرة الدخول، وهو ما قد يجعل الاستفادة من كامل التجربة أكثر كلفة على بعض العائلات كبيرة العدد ولعل الحل لا يكمن بالضرورة في إلغاء هذه الرسوم، وإنما في تخفيفها من خلال تقديم خيارات أكثر مرونة، كالباقات العائلية الشاملة، التي تتيح للزائر الاستفادة من أكثر من تجربة بسعر مناسب وفي متناول مختلف شرائح الزوار.

كما أن تعزيز التنسيق بين مختلف الفعاليات والمواقع السياحية في الجبل قد يصنع فارقًا حقيقيًا؛ فالسائح اليوم لا يبحث عن فعالية منفردة بقدر ما يبحث عن تجربة متكاملة؛ يشاهد فيها الطبيعة، ويتعرف على المنتجات المحلية، ويعيش التجربة الزراعية، ويقتني منتجات المكان، ويستمتع بالمقاهي والجلسات، وكل ذلك ضمن مسار سياحي واضح ومترابط.

الجبل الأخضر لا تنقصه عناصر الجذب، وإنما يحتاج إلى أن تتكامل هذه العناصر في صورة تجربة واحدة؛ تبدأ من الطريق، ولا تنتهي عند الفعالية، بل تمتد إلى القرية والتراث والمزارع والمنتج المحلي والإنسان.

وفي خضم الحديث عن جمال المكان، لا يسعني إلا التوقف عند وجه بشوش اختصر في حضوره شيئًا من روح الجبل؛ الطفلة «رهف»، التي يحلو لي أن أسميها «أميرة الجبل الأخضر» تعرض هذه الطفلة الرائعة علامة عطور تحمل اسمها، مستخلصة من ورد الجبل، بإحدى القرى التراثية، وتقابل الزائر بابتسامة سمحة وأخلاق دمثة تعكس كرم أهل الجبل وأصالتهم. وربما لا تدرك رهف أن ابتسامتها وطريقتها في استقبال الزوار أصبحت جزءًا من التجربة السياحية التي يعيشها من يلتقي بها.

ومثل هذه النماذج الصغيرة هي في الحقيقة جزء من التجربة السياحية الكبيرة؛ فالسائح قد ينسى بعض التفاصيل، لكنه نادرًا ما ينسى ابتسامة صادقة، أو تعاملًا إنسانيًا راقيًا، أو شخصية محلية تركت في نفسه أثرًا جميلًا لذلك، تحية ممزوجة بماء الورد الجوري لأميرة الجبل الصغيرة «رهف».

غادرتُ الجبل الأخضر بانطباع جميل، وبقناعة أكثر رسوخًا بأن هذا المكان لا تنقصه المقومات، وإنما يحتاج إلى تكامل أكبر في استثمارها فحين تجتمع الطبيعة بالإنسان، والطريق الآمن بالفعالية المبتكرة، والتراث بالمنتج المحلي، يمكن أن تتحول الزيارة إلى تجربة تستحق أن تتكرر؛ فالجبل الأخضر جميل بطبيعته، جميل بأهله، جميل بتاريخه.. وهو بكل ما يملكه من مقومات، يستحق أكثر.

الأكثر قراءة

z