◄ صناعة المحتوى الرقمي العربي: التحديات والفرص
عبيدلي العبيدلي **
3. العربية مطلوبة أكثر مما هي ممثلة على الويب المفتوح
يُبيِّن مؤشر الرأي العربي 2024-2025 أن 90% من المستخدمين الذين شملهم المسح يتصفحون الإنترنت بالعربية، وأن الفيديو هو الشكل المفضل لدى 47%، يليه النص 27% والصورة 15%. في المقابل، تُظهر W3Techs في يوليو 2026 أن العربية مستخدمة كلغة محتوى في نحو 0.6% من المواقع المعروفة اللغة عالميًا، مقارنة بـ 49.6% للإنجليزية. وفي النطاق الإماراتي، مثلًا تبلغ العربية نحو 7% من المواقع المعروفة اللغة، مقابل 91.7% للإنجليزية.
ولا ينبغي إساءة قراءة هذه النسب. إذ لا تقيس W3Techs منشورات TikTok أوتقيس التطبيقات أو جميع الفيديوهات، كما يمكن للموقع استخدام أكثر من لغة. لكن المؤشر يكشف مشكلة محددة: ضعف المحتوى العربي الذي يعيش في مواقع مستقلة وقابلة للفهرسة والربط والاستشهاد والأرشفة. وهذه مشكلة استراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي؛ لأن ما لا يُنظم ويُرخص ويُفهرس بصورة جيدة يكون أقل احتمالًا للدخول في سلاسل المعرفة والبحث والتدريب.
4. الموسيقى والبث والمنصات: دلائل على قدرة السوق على الدفع
قدمت صناعة الموسيقى واحدة من أقوى إشارات النمو. وفق IFPI، كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA) أسرع مناطق العالم نموًا في إيرادات الموسيقى المسجلة في 2024 بنسبة 22.8%، وكان 99.5% من الإيرادات يأتي من البث. وفي 2025 واصلت المنطقة نموها بنسبة 15.2%، وهو ثاني أسرع معدل إقليمي بالتساوي، مع بقاء البث ممثلًا 97.5% من الإيرادات. لا يعني ذلك أن الحجم المطلق أصبح مقاربًا لأوروبا أو أمريكا الشمالية؛ بل أن معدل التحول الرقمي وسلوك الدفع ينموان بسرعة.
وفي البث المباشر الترفيهي، تقدر Kearney ـ بناء على آراء خبراء وتحليلها ـ أن القيمة التي يخلقها صُنّاع البث في MENA بلغت 8.1 مليارات دولار في 2024 وقد تصل إلى 17.8 مليارًا في 2030، مع تقديرات قطرية تبلغ 1.5 مليار في السعودية و1.9 مليار في الإمارات ومليارًا في مصر في 2024. وتؤكد Kearney أن "حجم السوق" هو إجمالي القيمة التي يخلقها المبدعون في بلد ما سواء جاء إنفاق الجمهور من الداخل أو الخارج؛ ولذلك فهذه الأرقام لا يجوز جمعها مباشرة مع سوق الإعلام والترفيه في تقرير Strategy&، لأن التعريفين مختلفان. كما يشير التقرير إلى أن أكثر من عشرة ملايين مستخدم في MENA سبق لهم تقديم بث مباشر مرة واحدة على الأقل؛ وهو مؤشر على اتساع المشاركة، لا على عدد المحترفين أو العمالة الدائمة.
5. الشواهد المالية من الشركات العربية
يوفر الإفصاح المالي للشركات المدرجة دليلًا أكثر صلابة على قابلية نماذج المحتوى العربية للتوسع. فقد بلغت إيرادات مجموعة MBC في 2025 نحو 5.391 مليارات ريال سعودي مقابل 4.196 مليارات في 2024، أي نمو 28.46%. وأوضح إعلان الشركة أن إيرادات قطاع برنامج "شاهد" ارتفعت بنحو 305 ملايين ريال مدفوعة بنمو الاشتراكات والإعلانات. وفي الربع الأول من 2026 واصل قطاع "شاهد" تحقيق تحسن في الربحية بدعم من إيرادات المشتركين، رغم ضغوط جيوسياسية أثرت في الإعلان لدى قطاعات أخرى للمجموعة [44].
أما منصة "أنغامي"، فأعلنت في ملفها لدى هيئة الأوراق المالية الأمريكية أن عدد المشتركين بلغ 3,520,603 في نهاية 2025، مقابل 3,372,028 في 2024، وأن متوسط إيراد الاشتراك الشهري للمستخدم ارتفع من 2.12 إلى 2.16 دولار، مع 45 تكاملًا مباشرًا مع شركات اتصالات. تكشف هذه الأرقام عن درس مهم: بناء المحتوى وحده لا يكفي؛ النجاح يحتاج إلى توزيع وشراكات دفع واتصالات وعلاقات مع أصحاب الحقوق. وقد كان توسع أنغامي بعد دمج OSN+ وشراكاتها الإقليمية مثالًا على تحول المنصة من تطبيق موسيقى إلى منظومة ترفيه أوسع.
6. اقتصاد صُنّاع المحتوى يتحول من الهواية إلى دخل معتبر
أظهر موقع YouTube في أبريل 2025 نموًا سنويًا في عدد القنوات التي تحقق سبعة أرقام من الإيرادات بالعملة المحلية بنسبة 40% في السعودية، و60% في مصر، و15% في الإمارات. وهذه النسب لا تحدد عدد القنوات ولا متوسط الدخل، ولذلك يجب ألا تُستخدم لتقدير حجم السوق، لكنها تصلح مؤشرًا على اتساع الطبقة المهنية من صُنّاع المحتوى. كما أن Google قدرت، في تقرير أثر اقتصادي أعدته Public First، أن منتجاتها ساهمت في 2024 في توليد 31.2 مليار ريال من النشاط الاقتصادي في السعودية و21.8 مليار درهم في الإمارات لمجموعة واسعة من الشركات والناشرين والمبدعين والمطورين، مع دعم منظومة التطبيقات لنحو 29 ألف وظيفة في السعودية و30 ألفًا في الإمارات. وهذه أيضًا تقديرات أثر اقتصادي وليست حسابات قومية رسمية، لكنها تكشف حجم النظام البيئي المحيط بالمحتوى والتطبيقات.
التحديات البنيوية لصناعة المحتوى العربي
1. غياب تعريف إحصائي موحد
أول تحدٍ ليس تقنيًا، بل معرفي: لا نعرف بدقة حجم القطاع لأننا لا نتفق على حدوده. بعض الدول تدرج السينما والموسيقى والنشر ضمن الثقافة، وتضع الألعاب والبرمجيات في قطاع التقنية، والإعلان في الخدمات المهنية، وصُنّاع المحتوى في العمل الحر، والمنصات ضمن الاتصالات أو التجارة الإلكترونية. لذلك يمكن أن توجد صناعة كبيرة من دون أن تظهر في حساب واحد.
وتوصي المنظمة العالمية للملكية الفكرية بقياس الصناعات القائمة على حقوق المؤلف عبر مساهمتها في الناتج والتوظيف والتجارة باستخدام منهجية قابلة للمقارنة. والمطلوب عربيًا ليس اختراع تعريف جديد، بل بناء "طبقات" إحصائية: طبقة ضيقة للمحتوى الأساسي، وأخرى للصناعات الداعمة، وثالثة للاقتصاد الإبداعي الأوسع. وبدون ذلك ستظل السياسات غير قادرة على معرفة ما إذا كانت وظائف القطاع وإيراداته وصادراته ترتفع فعلًا.
** خبير إعلامي
