نحو بناء صناعة عربية للمحتوى الرقمي بمعايير دولية (3- 9)

 

◄ صناعة المحتوى الرقمي العربي: التحديات والفرص

 

عبيدلي العبيدلي **

حجم متزايد لا يعني توزيعًا متوازنًا للقيمة:

يكشف الاقتصاد العالمي عن انتقال واضح نحو الأصول غير الملموسة. ووفق PwC، ستصل إيرادات الإعلام والترفيه العالمية إلى 4.2 تريليون دولار في 2030، لكن محرك النمو الأسرع سيكون الإعلان، الذي تجاوز تريليون دولار في 2025 ويتجه إلى 1.4 تريليون دولار بحلول 2030 [15]. معنى ذلك أن القيمة المستقبلية لن تأتي فقط من «بيع المحتوى» للمستهلك، بل من القدرة على جذب انتباهه، وتحليل سلوكه، وربط هذا السلوك بالإعلان والتجارة والاشتراك والخدمات.

ومن زاوية التجارة الدولية، تكشف بيانات UNCTAD تحولًا أكثر عمقًا. فقد وصلت صادرات الخدمات الإبداعية إلى 1.4 تريليون دولار في 2022، وأصبحت تمثل 19% من صادرات الخدمات العالمية بعدما كانت 12% قبل عقد. وتشكل البرمجيات 41.3% من هذه الصادرات، والبحث والتطوير 30.7%، والإعلان والعمارة 15.5%، والخدمات السمعية البصرية 7.9% [16]. وتدل هذه التركيبة على أن «الاقتصاد الإبداعي» الحديث ليس فنونًا فقط، بل مزيج من التقنية والبحث والتصميم والمحتوى. كما توضح أن الدول التي تبني قدرات في البرمجيات والبيانات وحقوق الملكية تستطيع الاحتفاظ بقيمة أكبر من الدول التي تكتفي بتوريد المواهب أو مواقع التصوير.

ومع ذلك، لا تتوزع هذه التجارة بالتساوي. فقد أشارت UNCTAD إلى أن الاقتصادات النامية رفعت حصتها من صادرات الخدمات الإبداعية العالمية من 10% في 2010 إلى 20% في 2022، وهو تحسن مهم لكنه يظل أقل كثيرًا من وزنها الديموغرافي [17]. ولذلك فإن السؤال العربي ينبغي أن يكون: كيف ينتقل المنتج من مستهلك للمنصة إلى مالك لأصل فكري، ومن مقدم خدمة منخفضة الهامش إلى شركة تملك حقوقًا وقاعدة بيانات وقنوات توزيع؟

الخوارزمية أصبحت بوابة السوق

حذرت اليونسكو من أن تركّز السوق لدى عدد محدود من منصات البث وأنظمة التوصية غير الشفافة يمكن أن يهمّش المبدعين الأقل شهرة ويقلص التنوع الثقافي [18]. وتزداد المشكلة عندما تبني المؤسسات كامل أعمالها على منصة واحدة. فإذا تغيرت خوارزمية الوصول أو شروط الإعلانات أو قواعد المحتوى، يمكن أن تنخفض الإيرادات خلال أسابيع. ومن هنا يصبح امتلاك البريد الإلكتروني وقاعدة العضوية والموقع والتطبيق والبيانات المباشرة أكثر من قرار تسويقي؛ إنه أداة لتقليل المخاطر الاستراتيجية.

التحول من "ندرة الإنتاج" إلى "ندرة الانتباه"

بلغ عدد مستخدمي الإنترنت عالميًا 6 مليارات شخص في 2025؛ أي 74% من سكان العالم، بينما ظل نحو 2.2 مليار شخص خارج الشبكة. هذا الاتساع ضاعف عدد الجمهور المحتمل، لكنه ضاعف المنتجين أيضًا. فعلى YouTube وحده تجاوز عدد الفيديوهات المرفوعة تاريخيًا 20 مليار فيديو بحلول الذكرى العشرين للمنصة في 2025. ومن ثم لم تعد المعضلة أن يجد الجمهور مادة، بل أن يجد المادة التي تستحق وقته وسط عرض شبه غير محدود.

ويترتب على اقتصاد الانتباه ثلاثة آثار. أولًا، يدفع المنتج نحو الإيجاز والإثارة وتكرار الأنماط التي تكافئها الخوارزميات. ثانيًا، يزيد قيمة العلامة والثقة والتخصص، لأن الجمهور يبحث عن "مرشحات بشرية" وسط الفائض. وثالثًا، يرفع أهمية إعادة استخدام الملكية الفكرية عبر أشكال متعددة: كتاب يتحول إلى بودكاست، ثم فيديو، ثم دورة، ثم مسلسل أو لعبة. وهذه القدرة على إعادة الاستثمار هي ما يميز «الأصل الفكري» عن المنشور العابر.

الذكاء الاصطناعي: قفزة إنتاجية وصراع على القيمة

يقدم الذكاء الاصطناعي التوليدي فرصة مزدوجة. فمن جهة، يستطيع المنتج الصغير ترجمة الفيديو، ودبلجته، وتحويل النص إلى صوت، وإعداد ملخصات، وتحليل التعليقات، وتصميم نسخ متعددة للإعلانات بتكلفة أقل. ومن جهة أخرى، يمكن للفيض الاصطناعي أن يضغط أسعار الإنتاج، ويزيد المحتوى الرديء، ويثير نزاعات حول بيانات التدريب والحقوق والتعويض.

تقدر اليونسكو أن تأثير مخرجات الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يؤدي بحلول 2028 إلى خسائر عالمية في إيرادات مبدعي الموسيقى تصل إلى 24%، وفي إيرادات مبدعي الأعمال السمعية البصرية إلى 21% إذا لم تتطور أطر الحماية والتعويض [23]. وفي تقرير آخر حول الذكاء الاصطناعي والثقافة، دعت اليونسكو إلى آليات تحمي التنوع اللغوي، وتدرب المبدعين، وتراقب التركز السوقي، وتضمن ظهور المحتوى المحلي [24]. وهذا مهم عربيًا على وجه الخصوص، لأن قلة البيانات العربية عالية الجودة تجعل ضعف الحضور في المحتوى مشكلة اقتصادية وتقنية في الوقت نفسه.

المشهد العربي والإقليمي بالأرقام ـ طلب كبير، بنية غير متكافئة

  1. الاتصال الرقمي واسع، لكن الفجوة بين الدول كبيرة

وصل استخدام الإنترنت في الدول العربية إلى نحو 70% في 2025، وهو قريب من المتوسط العالمي، فيما وصلت تغطية النطاق العريض المتنقل إلى نحو 95%. غير أن المتوسط يخفي تفاوتًا حادًا. فبيانات البنك الدولي المستندة إلى الاتحاد الدولي للاتصالات تُظهر وصول استخدام الإنترنت في 2024 إلى 100% في البحرين والسعودية والإمارات، و98% في قطر، و96% في الأردن، و91% في المغرب، و77% في تونس، و75% في مصر. هذه الفروق ليست تفصيلًا تقنيًا؛ فهي تحدد حجم الجمهور الرقمي، وكلفة الوصول إليه، وقدرة الشركات على تقديم الفيديو عالي الجودة أو الاشتراك أو الخدمات السحابية.

ويضاف إلى الفجوة بين الدول فجوة داخل الدولة الواحدة. فقد أظهر تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات للمنطقة العربية أن استخدام الإنترنت بلغ 83% في المناطق الحضرية مقابل 50% في المناطق الريفية، وأن الشباب بين 15 و24 عامًا سجلوا استخدامًا بنحو 86%، بينما بلغ الاستخدام 75% لدى الرجال و64% لدى النساء، بما يعكس مؤشر تكافؤ جنسي يقارب 0.86. وعليه، فإن المحتوى الرقمي يفتح فرصًا للشباب والنساء، لكنه قد يعيد إنتاج التفاوت إذا لم تصاحبه سياسات للمهارات والاتصال والدفع والعمل المرن.

  1.  السوق الإعلامية تنتقل بسرعة إلى الرقمي

تقدر Strategy& سوق الإعلام والترفيه في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنحو 15 مليار دولار في 2024، مرشحة إلى 18 مليار دولار في 2028. ومن المتوقع أن ترتفع حصة الرقمي من 71% إلى 74%، وهي أعلى من المتوسط العالمي المتوقع وفق المنهجية ذاتها. كما يُتوقع أن ينمو الإنفاق الاستهلاكي في المنطقة 3.7% سنويًا بين 2024 و2028، مقابل 2.7% عالميًا، وأن تصبح الإعلانات أكبر من إنفاق المستهلكين لتصل إلى 51% من السوق بحلول 2028 [36].

ولهذا الرقم دلالتان متعارضتان. فهو من جهة يثبت أن المنطقة ليست سوقًا راكدة؛ بل لديها طلب متنامٍ على الفيديو والألعاب والموسيقى والمحتوى المتميز. لكنه من جهة أخرى يحذر من الاعتماد المفرط على الإعلان. فإذا جاءت أكثر من نصف قيمة السوق من الإعلانات، فإن الشركات التي لا تملك اشتراكات أو عضويات أو حقوقًا قابلة للترخيص ستظل رهينة دورة الإعلان وقرارات المنصات.

** خبير إعلامي

الأكثر قراءة

z