◄ صناعة المحتوى الرقمي العربي: التحديات والفرص
عبيدلي العبيدلي **
في العصر الرقمي أصبحت القيمة الاقتصادية لصناعة المحتوى لا تُقاس بعدد المنشورات أو المشاهدات، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة والإبداع والثقة إلى أصول قابلة للقياس والتسييل: جمهور مملوك، وملكية فكرية، وعلاقات تجارية، ومنتجات رقمية، وعلامات شخصية، ومؤسسية.
في هذا الإطار تسهم الصناعات الثقافية والإبداعية، على المستوى العالمي، بنحو 3.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وبنحو 6.2 في المئة من فرص العمل. ويكشف مسح الأونكتاد لستة وثلاثين اقتصادًا ناميًا تباينًا واسعًا في هذا الإسهام، إذ يتراوح بين 0.5 و7.3 في المئة من الناتج، وبين 0.5 و12.5 في المئة من العمالة، بما يعني أن الحصيلة الاقتصادية تعتمد على السياسة والبنية المؤسسية لا على المواهب وحدها. أما اقتصاد المبدعين تحديدًا فتتباين تقديراته بين نحو 250 و320 مليار دولار في 2026 تبعًا لاختلاف المنهجية والنطاق، مع توقع مؤسسي بارز ببلوغ السوق القابلة للتوجيه نحو 480 مليار دولار في 2027.
إقليميًا، بلغ الإنفاق الإعلاني الرقمي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 8.185 مليارات دولار في 2025 بنمو سنوي قدره 17.8 في المئة، ما جعل المنطقة الأسرع نموًا في العالم متقدمة على أمريكا الشمالية (13.9 في المئة) وأوروبا (11.0 في المئة) وآسيا والمحيط الهادئ (10.4 في المئة) وأمريكا اللاتينية (6.4 في المئة). وتستحوذ وسائل التواصل الاجتماعي على 60.2 في المئة من هذا الإنفاق، وهي أعلى حصة إقليمية في العالم، بينما نما الفيديو الاجتماعي 23.6 في المئة والبحث 23.1 في المئة وإعلانات التجزئة 40.5 في المئة. غير أن هذا الرقم لا يمثل دخل صُنّاع المحتوى مباشرة؛ فهو حوض الطلب التجاري الذي يتنافس عليه الناشرون والمنصات والوكالات والصُنّاع معًا.
وتُظهر بيانات الجمهور أن أسواق المنطقة تضم عشرات الملايين من هويات مستخدمي شبكات التواصل، من 51.6 مليونًا في مصر إلى 38.6 مليونًا في السعودية بما يعادل 111 في المئة من السكان. وفي المقابل، لا تتجاوز العربية 0.6 في المئة من المواقع المعروفة اللغة على الويب مقابل 49.7 في المئة للإنجليزية، وهي فجوة عرض تمثل- من منظور تجاري- مساحة أقل ازدحامًا للمحتوى المتخصص القابل للأرشفة والبحث والتراكم.
لكن الفرصة مصحوبة بمخاطر بنيوية؛ فالبيانات العالمية تُظهر تركّزًا متسارعًا للدخل: استحوذ أعلى 1 في المئة من صُنّاع المحتوى على 21 في المئة من حجم المدفوعات في 2025 صعودًا من 15 في المئة في 2023، واستحوذ أعلى 10 في المئة على 62 في المئة صعودًا من 53 في المئة. كما تتوقع اليونسكو خسائر في إيرادات المبدعين تبلغ 24 في المئة لمبدعي الموسيقى و21 في المئة لمبدعي المواد السمعية البصرية بحلول 2028 نتيجة مخرجات الذكاء الاصطناعي التوليدي، في وقت ارتفعت فيه حصة الإيرادات الرقمية من دخل المبدعين إلى 35 في المئة بعد أن كانت 17 في المئة في 2018.
هذا يفترض أن تأهيل صانع المحتوى، وعلى وجه الخصوص الرقمي منه، في المنطقة يقتضي تجاوز التدريب على التصوير والمونتاج وزيادة المتابعين، ليشمل اللغة والبحث وتحديد الجمهور وبناء العرض القيمي والسرد والتوزيع والتحليل والبيع والعقود والملكية الفكرية والامتثال التنظيمي والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي. وتقترح برنامجًا تطبيقيًا من ثماني وحدات ومحفظة أعمال إلزامية ومشروع تجاري نهائي ونظام اعتماد مصغر يربط المؤسسة التعليمية بالسوق، إلى جانب حزمة توصيات لصنّاع القرار تشمل إنشاء مرصد إقليمي لاقتصاد المحتوى، وتطوير أدوات عربية للقياس والبحث، وسياسات شراء عام تولّد طلبًا على محتوى محلي موثوق.
خلفية المشكلة
أعاد صعود المنصات الرقمية ترتيب العلاقة بين المنتج والجمهور والسوق. ففي النموذج الإعلامي التقليدي كانت المؤسسة تختار الموضوع وتموّل الإنتاج وتتحكم في التوزيع وتقيس الاستجابة بوسائل محدودة. أما اليوم، وفي العصر الرقمي، فيستطيع فرد واحد أن يحدد موضوعًا متخصصًا وينتج النص والصورة والفيديو وينشرها ويجمع بيانات فورية ويعقد شراكة مع علامة تجارية ويبيع خدمة أو منتجًا رقميًا، من هاتف محمول. ولم يُلغِ هذا التحول المؤسسات، لكنه أعاد توزيع القدرة على الإنتاج والوصول والتأثير.
في المقابل، أنتجت سهولة النشر تصورًا مضلِّلًا بأن صناعة المحتوى مهنة بلا حواجز معرفية. وتُظهر البيانات عكس ذلك: فتح حساب سهل، لكن تحويله إلى عمل مستدام يتطلب تركيبة معقدة من الكفاءات.
وتكتسب المسألة أهمية خاصة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تتجاور وفرة الجمهور الرقمي مع تفاوت كبير في القدرة الشرائية والبنية التحتية، وحيث تتعايش العربية الفصحى ولهجاتها مع الإنجليزية والفرنسية. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن التبنّي الشامل للتقنيات الرقمية قد يرفع نصيب الفرد من الناتج المحلي في المنطقة بما لا يقل عن 46 في المئة على مدى ثلاثين عامًا، أي مكسبًا لا يقل عن 1.6 تريليون دولار. وفي المقابل، تسجل المنطقة أعلى معدل بطالة بين الشباب في العالم: 28.0 في المئة في الدول العربية في 2023 و22.3 في المئة في شمال إفريقيا، مع فجوة نوعية حادة (38.5 في المئة للشابات مقابل 25.7 في المئة للشبان. وبين هذين الرقمين تتحدد أهمية تأهيل صُنّاع المحتوى بوصفه سياسة تشغيل لا مجرد تدريب مهاري.
في هذا السياق، أصبحت "صناعة المحتوى"، وعلى وجه التحديد، منظومة منظمة للبحث والتصميم والإنتاج والتحرير والتوزيع والقياس وتحقيق الإيراد من رسائل معرفية، أو ثقافية، أو ترفيهية، أو تجارية، تُقدَّم في صيغ نصية، أو سمعية، أو بصرية، أو تفاعلية، وتهدف إلى خلق قيمة لجمهور محدد وتحويل تلك القيمة إلى أثر اجتماعي أو تعليمي أو تجاري قابل للاستمرار. ويضع هذا التعريف خمسة شروط للمهنية: وجود جمهور محدد لا مفترض؛ وقيمة قابلة للوصف؛ وعملية إنتاج قابلة للتكرار؛ وقياس يربط الأداء بهدف؛ ونموذج استدامة تجاري أو مؤسسي أو اجتماعي.
بهذا المعنى يصبح المحتوى أصلًا غير مادي تنخفض كلفة نسخته الإضافية إلى ما يقارب الصفر، بينما ترتفع قيمته كلما توسع توزيعه أو زادت الثقة بصاحبه. لكن هذه الميزة تقابلها مخاطرة مقابلة: سهولة النسخ، والتقليد، والتشبع، وتغيّر قواعد المنصات. ولهذا لا تكمن الميزة التنافسية في الملف نفسه، بل في المصدر الموثوق، والمنهج، والهوية، والبيانات، والعلاقة المستمرة مع الجمهور.
** خبير إعلامي
