للفشل طاقة مُعَطّلة (4)

 

"الأوهام تعطيل للطاقة الحيوية في الانسان"
حمد الناصري
حين يقع الإنسان في أوهام الخوف، تبدأ الأفكار السلبية بحطّ أثقالها في قِدْر طاقته الحيوية؛ تلك الأفكار التي يصنعها بنفسه، ويدسّها في روعِهِ، فيتوجّس ثم يَقلق، ثم يزداد شحناً سلبياً ليحترق بأوهامٍ صَبّت عثراتها في قِدْرٍ كان صافياً، فيتحوّل كلياً إلى هواجس خوفٍ صُنِعت بقلق. كيف ذلك؟

نقول: إنّ الأوهام تعطيلٌ للطاقة الحيوية في الإنسان؛ وخُطورتها لا تكمن في تصَوّر العقل لها قبل وعيها، بل الأشد نكيرًا هو تلك الطاقة المحبوسة خلف جدار من الأوهام شَيّده المرء عُنْوةً لمخاوف يتوجّسها في داخله؛ فيبني عقبات خيالية تَطْمُر بصيرة الحركة بقيود التردد الهائلة، وتَشلّ تلك الظنون الثقيلة قُدرته على الفعل بذريعة حماية نفسه من وهجها، فيرزح تحت وطأتها، وتُحبس مَلَكاته، وينغلق أمامه أفق السعي، ليغدو مُكبّلاً بأغلال لا قِبَل له بها. 

وهذه الأوهام والمخاوف المُتخيلة ليست إلا أفكاراً تُحدث خرقاً في جدار الوعي، وتُؤدي إلى تشويه ميزان التفكير... وهو ذاته المفهوم الذي فككه الفيلسوف وعالم النفس الفرنسي "ألان" (Alain) عام 1928م، في أطروحته الفلسفية "خواطر حول السعادة"... إذ يرى: "إن الخوف من الفشل هو وَهْم يصنعه الخيال؛ فالإنسان لا يخاف من الشيء نفسه، بل يخاف من تصوره للشيء، وهذا الوهم يحبس طاقة البدَن ويعطل الحواس عن رؤية منافذ النجاح".
وفي كفة التحليل الفلسفي العربي، يتطابق هذا الانحباس مع ما يُؤصله الفيلسوف المغربي الدكتور طه عبد الرحمن عام 2012م في كتابه "سؤال العمل"؛ إذ يرى أن الاستسلام للمخاوف المتخيلة هو خروج عن مقتضى الأمانة الوجودية، فالإنسان حين يسجن طاقته الحيوية في أوهام الغد وهواجسه المجهولة، إنما يمارس تبديداً وهدراً للقوى الممنوحة له لإعمار حاضره. 

إذنْ نقول: إنّ الخوف كَسَرَ بأوهامه مَلَكة الطاقة الكامنة في الإنسان، وصنع له رَهَقاً وَرَهْصاً يُقوّض حافز السعي، ليتولّد عن ذلك شلل تام يُعطل قواه الحيوية في داخله. وفي المرجعية الروحية لسيّد الأنام نبيّنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- نجد أعظم بُرهان حسّي يُفتت أوهام الخوف، ويَبُثّ مَدداً يقينياً في النفس؛ ففي غار ثور، حين أحاط التوجس والتهديد بركب الدعوة، وتبَدّت العقبات جهاراً وعياناً، جاء التوجيه الإلهي الصارم ليقطع دابر الوَهْم، ويُحَوّ رُعب اللحظة إلى طُمأنينة راسخة، وانطلاقة حيوية ملؤها الثبات والإصرار، تجسّدت في قوله تعالى: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (التوبة: 40). فالسُّور النفسي الحقيقي يكمن في هَدْم التردد أولاً، واستمداد العون من القوة الإلهية الأعظم؛ لتغدو عبارة "إنّ الله مَعنا" قوة دفع تبدد العُتمة، وتستحثّ النفس على تجديد صلتها الوثيقة بالأمان اليقيني.

فالتفكير في الأمر المرهوب ليس إلا أفكاراً نصنعها في أنفسنا وتتلقفها الظنون؛ لـتُؤلف منها سيناريوهات ومشاهد حسّية بواقعٍ مُتخيل لا وجود حقيقيّ له، نُوهم العقل بها فيرددها، لينساق الإنسان في دوامة الركود التي تُعطل التفكير. وهذا الركود بدوره يستنزف طاقته، ويَكسر حصانته النفسية الضامنة للأمان، ليرزح تحت وطأة قلقٍ متصاعد يَكبح تدفق القوة الحيوية الكامنة في داخله. ومنشأ ذلك أنّ العقل البشري لا يُفرق بين الخطر الفعلي الدّاهِم وبين الأوهام المُتخيلة، كما لا يُميز بين التفكير المأزوم الذي يُغذي المخاوف، وبين العقل بوصفه مركز صِناعة الطُمأنينة. 

وهذا الأثر التدميري أثبته الطب السلوكي الحديث؛ حيث يُبين العلماء أنّ الخوف الوهمي المستمر يُعطل العمليات الدماغية المسؤولة عن اتخاذ القرار، ويحبس طاقة البدَن الحيوية عبر تجميد وظائف الأعضاء غير الضرورية للبقاء. وهو ما يتناغم مع ما تضمّنَته أطروحة الفيلسوف الروماني "سينيكا" في رسائله الأخلاقية التي نقلها إلى العربية المترجم سامر خير، إذ يقول: "إننا نعاني في الخيال أكثر مما نعاني في الواقع، والخوف من الغد يسرق طاقة اليوم". 

وخُلاصة القول: إنّ مشاعر الخوف والتوجس المستمر تُبدد الطاقة الحيوية الكامنة في النفس؛ إذ تُحاصرها بصورٍ ذهنية مُترددة، تتذبذب كلما نظر المرء إلى سراب المخاوف بوصفها مجهولاً يستدعي التضخيم، وكلما تعاظم هذا التضخيم في الوجدان أصاب القوى الداخلية بالشلل. ومن هذا المنطلق، متى ما عرَّفنا الخوف بأنه شُعور عابر تفرضه المواقف الطارئة، أيقنّا أنّ خطره زائل لا محالة مع أول استجابة حركية للبقاء والنهوض؛ وبذلك يستعيد العقل توازنه بوصفه مركز صناعة الطُمأنينة، وتتحرر طاقة الإنسان الكامنة من احتباسها.

* هذه السلسلة الفكرية من ضمن أطروحة الكاتب: "للفشل طاقة معَطّلة".

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z