«الجرثومة الخفية تمتص الطاقة الحيوية»
الكاتب: حمد الناصري
26 أغسطس 2026
حين يتعرض الإنسان لعثرات الفشل، يقع غاضبًا في شِباك مُحاكمةٍ ذاتية؛ فاللوم في أصل خَلْق النفس البشرية وُجد ليكون مُنشِّطًا يقظًا يدفع نحو تدارك الخطأ وإصلاح المسار، كما لخّصه البيان الإلهي المُحكم في قوله تعالى: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} (القيامة: 2). غير أنّ خُطورة هذا اللوم تكمن في خروجه عن طبيعة اللُّطف الحِسّي وتحَوُّله إلى «جَلْد ذاتٍ مُستمر»؛ حيث يصنع الإنسان لنفسه مخاوف وقسوة مُصطنعة، تتحوّل بفعل التكرار والندم إلى جرثومة خفية تمتص طاقته الحيوية، وتطمُر بصيرة النهوض، واضعةً جدارًا سميكًا بينه وبين قُدرته العالية الكامنة في داخله؛ بعد أن عطّلها الركود الحِسّي والمخاوف الظنّية، ظنًّا منه أنّ أطلال الفشل الماثلة لن تنقشع ولن تحميه من قسوتها، بينما هو، في المقابل، يحبس تلك الملكات الدفينة، ويُعطّل قواه التي كان يمكن أن تقف سدًّا في وجه قتامة الانكفاء وضبابية الظنون البائسة.
وهذا الأثر التدميري الذي تسببه الجرثومة الخفية في نحر قوى بدن الإنسان يجد برهانه الكوني الأعلى في المُحكم القرآني العظيم؛ حيث شخّص النص الإلهي غاية الامتصاص الحركي الناتجة عن تراكم الحزن واللوم المُفرط، في قوله تعالى على لسان بني يعقوب: {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} (يوسف: 85). والتفسير اللغوي الدقيق للفظ {حَرَضًا} يشرح جليًّا كنه الطاقة المُعطّلة؛ فالمراد به هو المريض الذي ذاب جسده، ونحلت قوته، وبطلت حركته تمامًا بفعل كبت الحزن واللوم الداخلي المُستمر.
وهذا الاستنزاف العبثي لطاقة الإنسان وظّفته الميثولوجيا الإغريقية بوصفه سردية متلازمة مع الكينونة البشرية؛ فالمخيال القديم صاغ كائنات وأحداثًا خارقة للطبيعة، تتجلى في أسطورة «سيزيف» الذي عوقب بدفع صخرة ضخمة إلى قمة الجبل، لتنحدر تلقائيًّا نحو القاع في حلقة وجودية مفرغة. ويتلاقى هذا المشهد الأسطوري، في تناظره الفلسفي والحسّي، مع واقعة الصخرة الكبيرة في مخطوطة رواية «أوجاع قرية البحر» للكاتب حمد الناصري؛ حيث تحوّل العجز في مواجهة الواقع إلى فناء تراجيدي تمثّل في مصرع الأب «ناصر» إثر وقفته أمام الجرافة، وانزلاق طفله «عبد الناصر» من فوق ذات الصخرة ليفارق الحياة على الفور؛ ليتحوّل هذا الحدث في وجدان الأم إلى سَقَمٍ ممتد يترك ندوبًا غدت في عمقها شبحًا يلاحق صاحبها، ويُصلب قوى البدن بمرارة تبتلع طاقة الحياة.
والتلاحم التناظري هنا يكشف للخاصة والعامة أنّ الاستسلام لجرثومة لوم الماضي، والارتهان لجلد الذات، يجعل الإنسان يعيش العقابين معًا؛ فهو يبذل طاقة بدنية عبثية كـ«سيزيف» لدفع أوهامه دون طائل، لينتهي به الركود الحسّي كسيرًا كالسقوط الفاجع من فوق الصخرة؛ حيث تسحق الجرثومة الخفية قدراته الكامنة، وتُصيب ملكاته بتيبّس وتصلّب تام، ليمضي في نفق العجز فاقدًا لبوصلة وعيه وتوازنه الحركي دون أن يشعر بوجعه أحد، ويتحوّل في النهاية إلى كائنٍ مُكبّلٍ قعيدٍ عن الحركة والنهوض.
ونستلهم من هذا التناظر أنّ الركود يبتلع طاقة الحياة، ويُعَدّ تدميرًا ذاتيًّا ناتجًا عن المبالغة في الإحباط والندم الجاثم على وعي الإنسان؛ ومن الشواهد المؤصّلة لذلك ما نجده في أطروحة الفيلسوف الألماني «فريدريش نيتشه» (Friedrich Nietzsche) عام 1887م، في سفره الفلسفي «في جنيالوجيا الأخلاق»، الذي نقله إلى اللسان العربي المترجم التونسي الدكتور فتحي المسكيني؛ إذ يُبرهن نيتشه في أطروحته أنّ جلد الذات المستمر وتحميل النفس أوزار اللوم بعد الفشل هو مرض حاد يصنع إنسانًا مكبّلًا؛ فالندم الدائم لا يُصلح العثرة، بل يمتص القوة الحيوية من البدن، ويشلّ عصب الحركة.
ومن هنا نقول: إنّ الندم قيدٌ نفسي وتكبيلٌ طارئ، والانعتاق من أصفاده يتطلب وعيًا دافعًا يُحوّل طاقة اللوم المعطّلة إلى منشّط حركي موجب بصناعة العزم. وعلى ميزان هذا التحوّل الحركي، تلتقي عقلية الإمام أبي حامد الغزالي (ت: 505هـ) في أطروحته النفسية والروحية الخالدة «إحياء علوم الدين»؛ إذ يقرر أنّ محاسبة النفس لومٌ ممدوح إن ساق صاحبه إلى التدارك والعمل، فإذا أفرطت النفس في الملامة واستسلمت لليأس، قعدت عن السعي، وانغلق عليها باب المبادرة والحركة. فالغزالي يؤصّل لمبدأ أن محاسبة الذات يجب أن تستحثّ الهمم لتجديد صلتها بالعمل الفعلي، واستنهاض القوة المحبوسة في الداخل بعزيمة صلبة؛ فإذا زادت حدة التقريع النفسي، صدمت كينونة الروح وأصابت قواها الداخلية بالشلل.
والعزم السليم مددٌ إلهي قويم، وعلى العقل أن يبرمج بوعي لافت يطابق المحكم الإلهي الذي يقطع احتباس الروح الحسّية، ويحرر الإرادة الفاعلة، كما في قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} (الطلاق: 3)؛ أي إنّ من يفوّض أمره للباري ويعتمد عليه بصدق، مع الأخذ بالأسباب العملية والمادية، فإنّ الله يكفيه كل ما أهمّه ويبلغه غايته. وهذه الآية الشريفة لا تتعارض مع الطاقة الحسّية «المادية والعملية»، بل تربطهما بالمسبّب؛ فالحركة يتبعها أثر، والعمل هنا لا يقتصر على حركة الجوارح واليد، بل يشمل الحواس النفسية الملهمة بالسعي، لكون الفعل قوة مطلقة. فالآية في مكنونها تشير إلى الظاهر المحسوس المتمثل في «الحركة»، وإلى المادية المرئية المتمثلة في «العمل»، وكلاهما تدبير كوني يرافق جهد الإنسان البشري. وحينها تكون طاقته الحيوية وثيقة الصلة بنتائج «الثقة والتعزيز»، مع طمأنة العقل بأنّ التفكير المفرط في المجهول هو تفويض للخوف كي يتسلل إلى وجدانه عبر شعور الفشل المُربك.
ولأجل مواجهة الصدمة الحسّية، يتعين على الإنسان أن يستنهض من سكينة ذاته عزمًا وصلابة تبدد ركود الطاقة الكامنة؛ يقينًا بأنّ الوعي مددٌ صاعد وضمان يكسر جمود النفس. ومن الشواهد المؤصّلة لذلك ما نجده في أطروحة الفيلسوف الألماني «آرتور شوبنهاور» (Arthur Schopenhauer) الصادرة عام 1819م في سفره الفلسفي «العالم إرادة وتمثّلًا»، الذي نقله إلى اللسان العربي المترجم الدكتور سعيد توفيق؛ حيث يبرهن شوبنهاور أنّ استنهاض الوعي المعرفي الصافي من سكينة الذات هو الأداة الفاعلة لكسر ركود الوعي، وتبديد أوهام الصدمات التي تكبّل إرادة الإنسان الحيوية.
ومن هذا المنطلق، كلما استوعب المجتمع ـــــ بوصفه النسيج الحيوي المحتضن لهذه الظنون ـــــ أنّ عجزه ليس حقيقة مادية، بل غشاوة من الأوهام تنكشف مع أول حركة حرة نحو النهوض، تبددت سطوة التردد في عموم بنيته؛ وبذلك يمارس الوعي النقي وظيفته الأصلية في فك القيود، فيستعيد العقل المشترك توازنه وعافيته، وتتحرر طاقاته الكامنة لتنفي عن كاهله أوهام العجز العقيم. وعلى هذا النحو، تتبدّى كياسة عقل الإنسان السليم، حيث تخلو النفس مما بطن من عثراتها، وتنقشع غياهب غمتها، وينسحب سراب الإحباط من أفقها. وهذا المشهد الواقعي هو ما تضمنته أطروحة الطبيب النفسي النمساوي «ألفرد أدلر» (Alfred Adler) الصادرة عام 1927م، في سفره الفلسفي النفسي «فهم الطبيعة البشرية»، الذي نقله إلى اللسان العربي المترجم صبري جرجس عام 1963م؛ حيث يبرهن أدلر أنّ حصر الإدراك في عثرات الماضي وجلد الذات يصنع احتباسًا في قوى البدن، ولن ينكشف هذا الركود إلا بصناعة هدف جديد يتحرك الجسد صوبه بعزم حقيقي. وبهذا التأكيد المعرفي، نجزم بأنّ العقل يستعيد بالفعل توازنه بوصفه منبع الأمان والسكينة، وأنّ طاقة الإنسان تتحرر من عقالها بصناعة «العزم الحيّ»؛ لتبدأ مسيرة البقاء طيّعة، والنجاح مستمرًا.
وخُلاصة القول: إنّ تحرير الطاقات لا يتم بإغراق الذات، ولا بانغماس الإنسان في مستنقع الندم كغريق يتلاطمه الموج فيبتلعه، فبذلك تمتص الجرثومة الخفية أنفاس القوى الحيوية حتى فناء الحياة؛ فالوعي ـــــ هنا ـــــ يحوّل اللوم «القاتل» إلى محفّز رصين يصنع العزم «الحيّ»، ويكسر طوق الندم، ويبدد المخاوف، ويحمي العقل من الانغلاق.
هذه السلسلة الفكرية من ضمن أطروحة الكاتب: «للفشل طاقة معطّلة».
