مُصعب الذهلي
بعد شهور طويلة من المفاوضات الشاقة والمداولات المعقدة بين روسيا والحكومة السورية الجديدة، أصبح مصير منشآت القوات المسلحة الروسية في سوريا أكثر وضوحًا: في العاصمة السورية دمشق أعلنوا توقيع مذكرة تفاهم تقضي بتحويل قاعدة حميميم الجوية والمحطة البحرية الروسية في طرطوس إلى مراكز تدريب مشتركة، في تحوّلٍ يعكس تحولاتٍ جذرية في موازين النفوذ الإقليمي والدولي في سوريا، ويمثّل نهاية حقبة كاملة من العلاقة بين موسكو ودمشق كانت قد بدأت عمليًا في عام 1971 مع توقيع معاهدة الصداقة والتعاون، ثم توسّعت بشكل غير مسبوق بعد التدخل العسكري الروسي المباشر في سبتمبر 2015.
قاعدة حميميم الجوية، التي لعبت دورًا محوريًا في العمليات العسكرية الروسية بسوريا إبان حكم الأسد وحماية المصالح الروسية في المنطقة، تُعدّ منذ نشرها عام 2015 أحد أكبر القواعد الجوية الروسية خارج حدود الاتحاد السوفيتي السابق. وقد شكّلت هذه القاعدة نقطة الارتكاز الرئيسية لعمليات سلاح الجو الروسي الذي نفّذ آلاف الطلعات الجوية، والتي غيّرت موازين القوى الميدانية على الأرض، وأعادت للنظام السوري السيطرة على مساحات شاسعة كانت قد فقدها لصالح فصائل المعارضة وتنظيم داعش. أما المحطة البحرية في طرطوس، فتعود جذورها إلى عام 1971 أيضًا، وهي الوحيدة من نوعها في شرق البحر المتوسط للبحرية الروسية، وتكتسب أهمية لوجستية بالغة في تمكين العمليات البحرية بعيدة المدى، وضمان وجود روسي دائم في المياه الدافئة على أعتاب أوروبا الشرقية والشرق الأوسط.
ووفقًا لبنود الوثيقة المُعلنة، يتم نقل الجزء المدني من مطار اللاذقية والمرسى التجاري رقم 4 في طرطوس إلى السلطات السورية الجديدة؛ بينما ستحتفظ روسيا ببعض السيطرة على بعض الأجزاء الأخرى، لكن من الواضح أن هامش المناورة سيكون أضيق بكثير مما كان عليه في السابق، وأن "مراكز التدريب المشتركة" ستكون عمليًا مربوطة بقيود تشغيلية وسياسية لم تكن موجودة في السابق.
لا يمكن فهم هذا التحوّل دون استحضار السياق الذي أفرزه: انهيار النفوذ الروسي في سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024. لقد كانت موسكو لسنوات طويلة الحليف الاستراتيجي الأول للنظام السوري، وقدمت له دعمًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا غير محدود، واستثمرت سياسيًا ودبلوماسيًا لمنع سقوطه في مجلس الأمن عبر استخدام حق الفيتو أكثر من اثنتي عشرة مرة. لكن سقوط النظام المفاجئ كشف هشاشة هذا الحلف، وأثبت أن التحالفات القائمة على المصالح، بعيدًا عن الأسس الشعبية والشرعية، تبقى هشة وقابلة للانهيار في أي لحظة.
ولعلَّ من السذاجة أن نتوقع أن تحتفظ روسيا بوضعها السابق في سوريا؛ فالمشكلة الأعمق التي تواجه موسكو اليوم أن مَن يتولون السلطة في دمشق الآن هم أنفسهم الأشخاص الذين كانت الطائرات الروسية تقصفهم بجدٍّ وضراوة لسنوات عديدة. وهذا يعني أنَّ أي بقاء روسي في سوريا سيُنظر إليه بارتياب عميق، وأنه سيتطلب قدرًا كبيرًا من المرونة والقبول المتبادل الذي لا يبدو متوفرًا في الأفق القريب.
إن الانتقال من "قواعد عسكرية مستقلة" إلى "مراكز تدريب مشتركة" ليس مجرد تبديل لفظي أو إجراء إداري، بل يعكس تحوّلا نوعيًا في مفهوم الوجود ذاته. القواعد المستقلة تعني حرية الحركة، والقدرة على الانتشار، والاحتفاظ بترسانة عسكرية كاملة، وصلاحية اتخاذ القرار العملياتي من دون الرجوع إلى أحد. أما مراكز التدريب المشتركة، فتعني ضمنيًا أن العمليات ستكون خاضعة للتنسيق المسبق مع الطرف السوري، وأن حجم القوات سيكون محدودًا، وأن نوعية الأسلحة والعتاد المنتشرة ستكون متفقًا عليها، وأن الأولوية ستكون للتدريب وتبادل الخبرات لا للانتشار القتالي. وهذا التحوّل، على بساطته الظاهرة، يمثّل تراجعًا حادًا في المكانة الاستراتيجية التي تمتعت بها روسيا في سوريا لعقد من الزمن.
وبالقدر نفسه من الحماقة، يمكن القول إن الاعتقاد بأن حميميم وطرطوس ستبقيان بمنأى عن هذه التحوّلات هو ضربٌ من الوهم؛ ذلك أن الشركاء الجدد لأحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقًا)- والممثلين في دول غربية وأخرى خليجية- يضغطون بجدية لتقليص الوجود الروسي في سوريا، ويجعلون من ذلك شرطًا أساسيًا للحصول على المساعدات المالية وإعادة الإعمار. واشنطن ولندن وباريس، إضافة إلى أنقرة والدوحة وأبوظبي والرياض، كلها أطراف لها مصلحة مباشرة في إضعاف النفوذ الروسي والإيراني في سوريا، وتقديم هذا الإضعاف كإثبات على نجاح المرحلة الانتقالية الجديدة.
وهنا تكمُن المفارقة الكبرى: النظام السوري الجديد يُدرك تمامًا أن القواعد الروسية ورقة مساومة جوهرية لا ينبغي التفريط فيها سريعًا. فمن خلال الإبقاء على هذه القواعد مُؤقتًا، يمكن للنظام الجديد أن يضمن استمرار تدفق بعض الإمدادات من النفط والأسمدة والسلع الأخرى التي تحتاجها سوريا بشدة في هذه المرحلة الحرجة، وفي الوقت نفسه يكتسب ورقة ضغط إضافية في مفاوضاته مع الدول الغربية والخليجية التي تُريد استبعاد روسيا كليًا.
ولا يمكن فصل ما يجري في حميميم وطرطوس عن صورة أوسع تشمل ليبيا؛ حيث فقدت روسيا مواقعها في بنغازي ودرنة، والساحل الإفريقي الذي تقلص فيه الحضور الروسي لصالح الوجود الفرنسي والأمريكي، والقوقاز الذي تتراجع فيه النفوذ الروسي لصالح تركيا وأذربيجان. سوريا، في هذا السياق، ليست ملفًا منفصلًا، بل هي حلقة في سلسلة تراجع أوسع لروسيا في ما يُعرف بـ"الجنوب العالمي" الذي استثمرت فيه بكثافة في السنوات الأخيرة.
وهكذا، فإن قضية المنشآت في اللاذقية وطرطوس لم تُحسم بعدُ بشكلٍ نهائي. وستعود دمشق إلى مناقشتها مرارًا، كلما سمحت الظروف السياسية بذلك. ولذلك، فإن السؤال الأعمق الذي ينبغي أن يُطرح الآن ليس مجرد مستقبل القاعدتين، بل الشكل الأمثل للوجود الأجنبي الروسي بأكمله في الواقع السوري الجديد. فما هو المكان الذي تحتله هذه القواعد ضمن المعادلة الشاملة؟ وهل ستقبل روسيا بدور "المدرّب" حين كانت بالأمس القريب "اللاعب الرئيسي"؟
قد تكون الإجابة على هذه الأسئلة غير متوقعة تمامًا؛ فالعالم يتغير، والتحالفات تتبدل، والنفوذ الذي بُني على عقود من الاستثمار العسكري والسياسي يمكن أن يتآكل في أسابيع. وسوريا اليوم هي المختبر الأكبر لاختبار هذه الفرضية، فيما تترقب العواصم الكبرى- من موسكو وطهران إلى واشنطن وأنقرة والرياض- كيف ستنتهي هذه الصفحة من تاريخ المنطقة؟!
