العلاقات الروسية الإيرانية

 

 

 

د.عبدالله الأشعل **

هناك مجموعة من العلاقات المتشابكة بين إيران وروسيا عبر التاريخ، لكن بصفة عامة كانت العلاقات طيبة بين البلدين، ويمكن تقسيم هذه العلاقات إلى فترات تاريخية وموضوعات.

أما الفترات التاريخية، فنُجملها فيما يلي:

المرحلة الأولى: كانت العلاقات الإيرانية مع روسيا القيصرية صدامية لأن الدولتين كانت لهما ظروف متباينة؛ إذ إن إيران كانت ساحة للنفوذ البريطاني وروسيا القيصرية كانت تنظر إلى إيران على أنها بحاجة إلى تحرير من سطوة الغرب.

المرحلة الثانية خلال الحرب العالمية الثانية؛ حيث دخلت الولايات المتحدة والدول الغربية مع الاتحاد السوفيتي في حلف ضد اليابان وألمانيا وإيطاليا؛ أي مجموع دول المحور. ولكن روسيا السوفيتية التي احتلت شمال إيران وبريطانيا في جنوبها أقامت دولة شيوعية في شمال إيران مما أغضب إيران كثيرًا، ولكن إسرائيل وأمريكا لم تكونا قاسمًا مشتركًا بين إيران والاتحاد السوفيتي؛ ذلك أن إيران الشاه كانت صديقة للغرب وتستخدم أراضيها مع الحدود الطويلة مع الاتحاد السوفيتي (2500 كيلومتر) للتجسس والرصد. ومعلوم أن قيام الثورة الإسلامية في إيران 1979، أفقد أمريكا هذه الميزة ولهذا تنتقم أمريكا حاليًا من إيران وتريد أن تعيدها في خدمة مصالحها الاستراتيجية.

المرحلة الثالثة: العلاقات الإيرانية مع الرئيس فلاديمير بوتين؛ فبعد سقوط الاتحاد السوفييتي بدا أن إيران الإسلامية كانت مُتعاطفة مع المسلمين في الاتحاد السوفييتي وكانت إيران الشاه تساند الغزو الغربي لأفغانستان، ولمَّا قامت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 ظل الاحتكاك بين حركة طالبان وإيران الإسلامية، لكن في السنوات الأخيرة تعاطفت طالبان مع إيران. وكانت العلاقات قد ساءت بين أفغانستان طالبان وبين الثورة الإسلامية في إيران لدرجة أن طالبان وهي سنية متطرفة لم تحترم حصانة قناصل إيران على الأراضي الأفغانية فأعتدت عليهم وعلى شيعة أفغانستان.

وكان يمكن أن تنحاز إيران إلى الغرب الذي يحارب التطرف الأفغاني.

نعود مرة أخرى إلى العلاقات الإيرانية الروسية ذلك أن هذه العلاقات شهدت تعاونا كبيرًا في مجالات متعددة، كما يلي:

أولًا: المجال النووي. بالقطع روسيا لا يسعدها أن تكون إيران نووية، ولكن تساعد إيران نكاية في الغرب الذي يتربص بروسيا. ومعلوم أن الصناعة النووية السلمية في إيران قامت على أكتاف العلماء الروس.

ثانيًا: في مجال الحماية من النقد الدولي تستخدم روسيا والصين الفيتو المزدوج لإحباط أي مشروع قرار ينتقد إيران.

ثالثًا: العقوبات الأمريكية؛ حيث تفرض أمريكا عقوبات صارمة على إيران الثورة منذ عام 1979. أما روسيا فقد فرضت عليها أمريكا والغرب عقوبات اقتصادية منذ تفجر الأزمة الأوكرانية عام 2021.

رابعًا: تنظر روسيا لإيران على أنها أداة لمناهضة الغرب خاصة أمريكا لكن نعتقد أن الدول العظمى تنفرد بقواعد التعاون والعلاقات المصلحية.

ومعلوم أن إيران تدافع عن نفسها وعن هويتها الإسلامية لأنَّ وزير الحرب الأمريكي وصف الصراع مع إيران بأن أمريكا تهدف إلى انتزاع الإسلام من صدور الإيرانيين الذي منحهم الصمود ومنحهم الصبر ولا حل في أمريكا للمشكلة الإيرانية إلا بانتزاع الإسلام. فما هو موقف روسيا من هذا الموضوع؟

رغم تصريح بوتين بأن الإسلام أصبح الديانة الثانية في روسيا، إلّا أنني أعتقد أن بوتين لا تزال فيه علامات الشيوعية ومعاداة الإسلام، ولذلك لا أُعوِّل كثيرًا على إخلاص روسيا في مساعدة إيران على الدفاع عن الإسلام.

 ومعلوم أن الصين تتخذ نفس الموقف لأنَّ لديها مشكلة الإيجور المسلمين. وقد سبق أن نصحت زعماء الإيجور في مؤتمر إسطنبول منذ سنوات بأنه لا جدوى من الحرب ضد الحكومة الصينية خاصة أن أمريكا تستخدمهم في إطار الصراع الأمريكي الصيني. وهم في النهاية جزء من المجتمع الصيني. صحيحٌ أن هناك تنافضًا بين الشيوعية والإسلام، ولكن المسلمين في الصين لا يمكن أن ينكروا أنهم جزء من المجتمع الصيني وإن اختلفوا عنه في العقيدة. ويفهم من ذلك أن روسيا لا يمكن أن تضحي بإيران. يكفي أن المُسيَّرات الإيرانية تستخدمها روسيا في الحرب مع أوكرانيا، كما أن إسرائيل تحارب الجيش الروسي في أوكرانيا. وكان يجب على موسكو أن ترد باحتضان المقاومة ضد إسرائيل، ولكن هذه المقاومة إسلامية في جميع الساحات، ثم إن المقاومة تستهدفها أمريكا وإسرائيل ولا يمكن لروسيا أو الصين أن تدعم المقاومة، وهذا خيار إيراني بحت ينطلق من العداء لإسرائيل وللصهاينة وليس لليهود. ولذلك لا يتوقع مهما كانت الضغوط أن تتخلى إيران عن المقاومة الإسلامية في جميع الساحات المحيطة بإسرائيل.

الخلاصة.. أن العلاقات الإيرانية الروسية تشهد ازدهارًا كبيرًا في عهد بوتين ولا نعلم أبعاد التعاون العسكري بين روسيا وإيران، وإذا كانت إيران تتحدى الغرب، فإن بوتين يتحدى مخططات الغرب للهيمنة على الشرق الأوسط. ويدرك بوتين أن الغرب كما فكك الاتحاد السوفيتي يخطط لتفكيك الاتحاد الروسي.

ومعلوم أن الصراع في أوكرانيا صراع روسي غربي يهدف إلى إضعاف روسيا وإخراجها من عداد الدول العظمى كما أن الصراع مع إيران يهدف لتغيير النظام الدولي بالكامل وهذا يكفي لكي تُساعد الصين وروسيا إيران رغم تعير المسارات واختلاف المصالح.

وفي النهاية.. فإنَّ إيران عضو في المعسكر المناهض للغرب الذي يضم روسيا والصين وكوريا الشمالية. ولا يمكن لأي من هذه الدول الثلاثة أن تمد إيران بالصواريخ ذات الرؤوس النووية.

** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

الأكثر قراءة

z