د. مجدي العفيفي
(0)
أما قبل..
وسيظلون يبحثون عن زعامات رخيصة..
حين يتحوّل الحُكم إلى مسرحٍ كبير والجماهير إلى «كومبارس»..
حين تُدار السلطة بالعناوين لا بالسياسات..
(1)
مسرحية «الزعيم» لعادل إمام لم تكن مجرد عمل كوميدي، بل كانت نبوءة سياسية قبل أن تُدركها الشعوب. ففي تلك المسرحية، ظهر "الزعيم" في صورتين: الأولى: الزعيم الحقيقي - المهيب، المتجبر، الذي يحكم بالحديد والصورة.. والثانية: المواطن البسيط الذي يشبهه - فيُختَطف ليؤدي دوره حين يموت الزعيم، فيُصبح "الزعيم البديل" لتمثيل نفس المسرحية السياسية أمام الجماهير!
وهنا بيت القصيد: المسرحية لم تكن مجرد نقد ساخر، بل تشريح عبقري لفكرة "الزعيم كصورة قابلة للاستنساخ".
أي أن النظام لا يحتاج إلى الحاكم ذاته، بل إلى "شكله" الذي يُخدِّر الجماهير.
فالمسألة ليست من يحكم؟ بل من يُمثّل مشهد الحكم؟
وهذا بالضبط ما نراه اليوم في العالم كله: الزعيم صار أيقونة إعلامية يمكن أن تُستنسخ، وتُلمّع، وتُدار من خلف الستار.
المؤسسات ووسائل الإعلام (الميديا) هي التي تُدير "الزعيم"، لا العكس.
إنه مجرد وجهٍ في واجهة عرض السلطة.
(2)
في مسرحية "الزعيم"، كانت الجملة المحورية التي قالها عادل إمام: "الزعيم ما يموتش.. الزعيم فكرة!"
تلك الجملة التي كانت تُضحك الجمهور وقتها، صارت اليوم واقعًا قاتمًا: "الزعيم فكرة" فعلاً، فكرة تُدار كعلامة تجارية، تتجدد كلما سقط حاملها، وتُبثّ في العقول بالصور والموسيقى والخطب والهاشتاجات (الوسوم على منصات التواصل الاجتماعي).
وهكذا، تحوّل الحاكم إلى دور، والشعب إلى جمهور، والوطن إلى مسرحٍ مستمرٍّ بلا نهاية.
كلما ملّ الجمهور المشهد، دخل "بديل الزعيم" ليؤدي نفس النصّ، بنفس الإيماءات، بنفس التصفيق الموجّه.
إن ما كان في "الزعيم" سخرية، صار الآن آلية حكم حقيقية.
الدراما سبقت الواقع، كما يفعل الفن الحقيقي دومًا.
(3)
ولو تأملنا اليوم في مشهد «راعي البقر ترامب زعيم العالم الحر- هأ هأ هأ- كمثال أجنبي، والحاكم (فلان الفلاني....) كمثال آخر فهو نسخة مطابقة من هذه المسرحية: زعيم يستمد قوته من الكاميرا، لا من الفعل، يعيش على الأضواء، ويغذّي ذاته بالتصفيق، ويؤمن أن الحُكم عرضٌ جماهيريٌّ دائم، وأن الخروج من الشاشة موتٌ سياسيٌّ فوري.
لقد تحوّلت الزعامة من مشروع وطني إلى "براند" شخصي، ومن مسؤولية إلى أداءٍ تمثيليٍّ متقن، ومن علاقة مع الشعب إلى علاقة مع الجمهور.
وهذا ما يجعل تحليلنا لهذه المرحلة ضروريًّا: فإذا لم نفهم أن الحاكم اليوم يُدار كـ"ممثلٍ سياسي"
وأن الميديا هي مُخرج المسرحية، فسنظل نصدّق المشهد ونصفّق، ونغفل أن المسرح كله احترق.. ولم يتبقَّ منه سوى ستارٍ جميلٍ يخفي رماد الوطن.
(4)
في البدء كانت المسرحية.
ثم جاء الحاكم، فجلس على العرش مثل ممثلٍ يعتلي الخشبة، وأمامه جمهورٌ عريض من الشعوب التي اعتادت أن تُصفّق حتى وهي تتألم.
لم يعد الحكم إدارةً للشأن العام، بل عرضًا حيًّا للأبهة، والهيبة، واللقطة.
صار مركز الحكم مثل استوديو ضخم، تُدار فيه المؤتمرات كالمشاهد، ويُخرَج الخطاب الوطني بمونتاجٍ موسيقيٍّ يليق بالبطل الملحميّ، بينما في الكواليس يتآكل الوطن بصمت.
الزعيم في هذا الزمن لا يحكم.. بل يؤدّي الحكم.
يتدرّب على نبرة الصوت أمام المرآة، يتمرّن على الوقفة العسكرية أمام الكاميرا، ويُعيد جُمله الوطنية عشر مرات قبل أن يخرج بثقةٍ إلى الجمهور، ليُقدّم المشهد ذاته: "أنا وحدي المنقذ!"
وفي كل عرضٍ جديد، تتبدّل الديكورات- مرّةً قصر، مرّةً خندق، مرّةً منصة دولية، لكن النص واحد: الزعيم يتحدث، الشعب يصفّق، والنهاية دائمًا تصفيقٌ حارٌّ لجريمةٍ باردة.
(5)
إنها مأساة شعوبٍ لم تدرك أن "الزعيم" الذي تراها ليس زعيمًا، بل ممثلًا يؤدي دور الزعيم الذي حلموا به.
لقد أجاد الدور حتى صار هو نفسه يصدق الكذبة، كما يصدق الممثل المسرحي أنه فعلاً الملك على الخشبة.
تراه يضبط إيقاع أنفاسه حسب حجم التصفيق، فكلما دوّى التصفيق، اتسعت ابتسامته، وكلما ساد الصمت، ارتبك، وارتجف، لأن الصمت بالنسبة له ليس تفكيرًا؛ بل خطرًا سياسيًا.
هو لا يريد من الشعب عقلًا يحاكمه، بل جمهورًا “يعيش معه اللحظة”.
ولذلك يختار السيناريوهات بعناية: مشهد “الأب الحنون”، مشهد “المحارب الشجاع”، مشهد "المُنقذ من المؤامرات".
يُكرّرها حتى تُصبح ذاكرةً وطنيةً مصطنعة.
(6)
أما الإعلام فهو المُخرِج والمُلقّن.
يُدير الإضاءة، يُحدّد زوايا الكاميرا، ويُحرص ألا تُلتقط اللقطة التي تكشف التصدّع في المشهد.
كل شيء مُعدّ بدقة: من كلمات "الإنجاز" إلى عدد مرات التصفيق في الدقيقة.
إنها "الزعامة السينمائية" التي تُنتَج بميزانية دولة وتُباع بدم شعب.
لكن السؤال الذي يخشاه كل ممثلٍ سياسي:
ماذا لو انطفأت الأنوار فجأة؟
ماذا لو انسحب الجمهور؟
ماذا لو رأى الناس الخشبة بلا ديكور؟
حينها يظهر المشهد العاري: زعيمٌ بلا هالة، حاكمٌ بلا إيقاع، رجلٌ فقد صوته لأن المايكروفون انكسر.
وحين يُدرك أن الكاميرا توقفت، يكتشف الحقيقة المرّة: أنه لم يكن يحكم، بل كان يُؤدّي، ولم يكن محبوبًا، بل مُصفَّقًا له، ولم يكن زعيمًا، بل شخصيةً خيالية عاشها حتى النهاية.
أما الشعوب، فهي أيضًا ممثلة في هذا المسرح الكبير، كومبارس صامت يملأ الخلفية، يتحرك بإشارة، ويهتف بأمر، ثم يُستبدل بجمهورٍ جديد حين يملّ من العرض.
(7)
لقد تحوّل الوطن إلى مسرحٍ مفتوحٍ على الهواء، حيث تُدار السياسة بالإخراج لا بالسيادة، وحيث صار «المايك» أهم من الدستور، واللقطة أهم من القرار، والجمهور أهم من الشعب.
وفي نهاية المسرحية، حين يُصفّق الجميع وتُرمى الزهور على الخشبة، يبقى سؤالٌ يتردّد في الظلام:
من الذي كتب النص؟
ومن الذي سمح أن يُصبح الحُكم تمثيلية؟
ومن الذي ما زال يصفّق، وهو يعرف أن العرض كلّه كذبة؟
