د. مجدي العفيفي
(1)
حين تحوّل المواطن إلى متلقٍ للإعلانات الوطنية..
لقد دخلت الشعوب اليوم، بلا وعي، إلى قاعة عرضٍ ضخمة اسمها: الدولة..
تُطفأ الأنوار، يُرفع الستار، ويبدأ العرض الوطني الكبير.
تُبثُّ الأغاني، وتُعرض الإنجازات المصوَّرة، وتُعاد لقطات “الزعيم” وهو يبتسم،
في مشهدٍ مُتكرّرٍ حتى صار الطقس اليومي للشعوب هو “مشاهدة الوطن على الشاشة”.
لم يعد المواطن يُسأل: ما رأيك؟
بل يُسأل: هل شاهدت الحلقة الأخيرة من الزعيم؟
لقد صار الوطن “مسلسلًا مستمرًا” يُبثّ على كل قناة، بطله واحد لا يُبدَّل، وكلماته محفوظة، ودموعه مصمَّمة بعنايةٍ على مقاس المشهد السياسي المطلوب.
(2)
الإعلام الرسمي، في هذا الزمن، لم يعد وسيلة تواصل، بل صار وسيلة “تنويم”، يُدخلك في حلمٍ وطنيٍّ جميلٍ يُغنيك عن التفكير.
كل شيءٍ يسير تمامًا… حتى لو كنت لا تجد قوت يومك!
كل الإنجازات تتحقّق… حتى لو لم ترَ أثرها في شارعك!
إنهم لا يكذبون فقط، بل يُزيّنون الكذب حتى يُصبح جمالًا بصريًا مقنعًا.
الشعب في زمن التسويق السياسي ليس شريكًا في القرار، بل “مستهلك للقرار”.
يُطعمونه وجبةً جاهزة من الأخبار، مُعلّبة في كلماتٍ مثل: إنجاز – رؤية – استراتيجية – خطة مستقبلية – النهضة الكبرى… كلها شعارات بديعة، لكنها بلا مضمون حقيقي إلا في النشرات.
ولأن الشعوب أُنهكت، فقد فقدت حسّها النقدي.
صار الناس يبحثون عن الزعيم كما يبحثون عن نجم كرة القدم:
من يُحرّك العاطفة؟ من يُقدّم اللقطة؟ من يُثير الحماس؟
ولذلك تحوّلت السياسة إلى “استعراض”، والانتخابات إلى “مهرجان”.
حتى الخطاب الوطني لم ينجُ من التسليع.
صار مثل إعلان العطور: نفخر بماضينا، نعيش حاضرنا، نبني مستقبلنا، لكن العطر مزيّف، والرائحة تختفي بعد الدقائق الأولى.
(3)
الإعلام هنا لا يكتفي بتزيين الحاكم، بل يُصمّم الوعي الشعبي من الصفر:
يُحدّد من هو “العدو”، ومن هو “الخائن”، ومن هو “الوطني”،
ويصنع سردياتٍ جاهزة تُسكِت الأسئلة وتحاصر الشكوك.
فإذا تساءلت: “أين الفساد؟” قيل لك: “انظر إلى إنجازات الزعيم!”
وإن تساءلت: “أين الحريات؟” قيل لك: “الوقت ليس مناسبًا، نحن في معركة البقاء!”
هكذا تتحوّل الأسئلة إلى جريمة، والوعي إلى خطرٍ أمني.
إن الشعوب التي تُربَّى على الإعلام الرسمي تفقد قدرتها على الرؤية، كما يفقد السجين القدرة على تمييز الضوء بعد سنواتٍ في الظلام.
ومتى اعتاد الناس صور الزعيم في كل مكان، لم يعودوا يرونه؛
بل يرون فقط ما يُسمح لهم أن يروه، وحين تُمحى الفروق بين الحقيقة والدعاية، تصبح الكذبة الكبرى هي “الوطن” نفسه كما صُوّر، لا كما هو.
(4)
إن أخطر ما في الزعامة الزائفة ليس أنها تُضلّل الناس، بل أنها تُعيد تشكيل وعيهم ليحبوا تضليلهم،
فتتحوّل الأكاذيب إلى جزءٍ من وجدانهم الجمعي.
يُحبّون الزعيم حتى لو سرقهم، ويهتفون له حتى وهو يكمم أفواههم، لأنهم ببساطة لم يعودوا يفرّقون بين الوطن والحاكم، ولا بين الكرامة والتطبيل، ولا بين الإنجاز والديكور.
(5)
في النهاية، حين يسقط الستار، وحين تُطفأ الأضواء، ويكتشف الناس أن “العرض الوطني العظيم” لم يكن إلا “إعلانًا طويلًا لوهمٍ كبير”، سيجدون أنفسهم في العراء، بلا زعيمٍ، بلا وعي، بلا يقين، إلا يقين واحد: أن الزعامة الحقيقية لا تُصنع بالإعلام، بل تُبنى بالفعل، وأن الوطن الذي يحتاج إعلانًا يوميًا ليقنع شعبه بأنه بخير، هو وطنٌ في غرفة الإنعاش، ينتظر أن يُبعث فيه ضوءٌ حقيقي… لا من شاشة، بل من ضمير.
