◄ فهرس مخطوطات خزانة الشيخ حمد بن سعود الخنجري
أنور الخنجري
تبقى المخطوطات ذاكرةً صامتة، لا تستعيد حضورها الكامل إلا حين تمتد إليها يد التحقيق والتوثيق والفهرسة؛ فالفهرس هو الجسر الذي يعيد هذه الكنوز إلى فضاء البحث، ويفتح أمام الدارسين أبوابًا ظلت موصدة لعقود، وربما لقرون. ومع صدور كل فهرس علمي، تنكشف صفحة جديدة من تاريخنا الثقافي والمعرفي.
وفي هذا السياق، يأتي صدور فهرس مخطوطات خزانة الشيخ حمد بن سعود بن عبدالله بن علي بن محمد الخنجري؛ بوصفه إضافة مهمة إلى حركة توثيق التراث العُماني، وضمن الجهود التي تضطلع بها “ذاكرة عُمان” في إصدار سلسلة فهارس مخطوطات الخزائن العُمانية والتعريف بمحتوياتها. ويستحق هذا الجهد التوثيقي التقدير؛ لما يتيحه من إخراج كنوز ظلت محفوظة في الخزائن الخاصة إلى فضاء البحث العلمي، وفتحها أمام الباحثين والدارسين.
ويفتح الفهرس نافذة على واحدة من أبرز الخزائن الخاصة في سلطنة عُمان، ويكشف عن إرث علمي ظل محفوظًا بعناية جيلًا بعد جيل. ويتجاوز دوره التعريف بعناوين المخطوطات ومحتوياتها، ليقدم مادة توثق سيرة عالمٍ أحب الكتاب، وأسرةٍ جعلت من العلم رسالة، وبيتٍ احتضن على مدى أكثر من قرنين حياةً علمية واجتماعية ووطنية.
وتتجاوز قيمة هذا الإصدار حدود التعريف بخزانة خاصة؛ إذ يُعيد إلى الواجهة الدور الذي اضطلعت به الخزائن العلمية في صون التراث العُماني. فقد كانت بيوت العلماء ومكتبات الأسر العلمية خزائن للمعرفة، قبل أن تأخذ المكتبات العامة ومراكز البحث شكلها المؤسسي الحديث.
وترسخ هذا التقليد في عُمان منذ قرون، فحرص العلماء والقضاة والفقهاء على إنشاء خزائن عامرة بالكتب والمخطوطات، اتخذوها زادًا للدرس والتعليم والإفتاء والتأليف. وسرعان ما تجاوزت هذه الخزائن حدود الملكية الخاصة، لتصبح محاضن للمعرفة، يفد إليها طلاب العلم، وتتداول بين رفوفها الكتب والأفكار، وتؤدي دور المكتبات ومراكز البحث قبل ظهورها بصورتها الحديثة.
ويمثل الشيخ حمد بن سعود الخنجري- رحمه الله- أحد النماذج البارزة لهذا التقليد العُماني الأصيل، بما جمعه من علم واهتمام بالكتاب وحرص على اقتناء المخطوطات. فقد نشأ في بيت علم، وتلقى معارفه الأولى على يد والده الشيخ سعود بن عبدالله الخنجري، ثم واصل تحصيله على يد عمه الشيخ سالم بن عبدالله الخنجري، أحد العلماء المعروفين في عصره، فنشأ على تقدير العلم ومجالسة أهله.
وقد جمع الشيخ بين الفقه والتعليم والإصلاح الاجتماعي وسعة الاطلاع، وكان له حضور في الحياة العامة، حتى استعانت المحكمة الشرعية في مسقط بخبرته في عدد من القضايا الشرعية، لما عُرف عنه من رسوخ في العلم، وحكمة في معالجة الخلافات، وسداد في الرأي.
وكان الكتاب رفيقه الدائم؛ فإلى جانب دوره في التعليم والإفتاء، عُرف بشغفه بالقراءة وجمع المعرفة. فقد أقام صلات مع المكتبات ودور النشر العربية والإسلامية، واقتنى مئات الكتب والدوريات منذ وقت مبكر من حياته، في زمن كان الوصول إلى الكتاب يحتاج إلى جهد وصبر ورحلة بحث. ولم يقف اهتمامه عند الاقتناء، بل امتد إلى النسخ والتدوين؛ فنسخ بخط بيده عشرات المخطوطات، وترك في كراريسه وكشاكيله فوائد وتعليقات ومدونات تكشف عن عقلية باحث يحاور النصوص ويتتبع دقائقها. وتمثل هذه الكشاكيل جانبًا نفيسًا من تراثه الفكري، وهي جديرة بالدراسة والتحقيق لما يمكن أن تكشفه عن اهتماماته ومنهجه في القراءة وطريقته في جمع المعرفة وتنظيمها.
ومن هذا الشغف العميق بالكتاب تشكلت خزانة الشيخ حمد بن سعود الخنجري في "بيت الخنجري" المعروف لدى الأسرة بـ"البيت العود" بحارة الشمال في مطرح، لتصبح مع مرور الزمن واحدة من أبرز خزائن المخطوطات الخاصة في سلطنة عُمان.
وتكشف هذه الخزانة عن حجم المشروع المعرفي الذي بناه الشيخ عبر سنوات طويلة؛ إذ تضم 582 عنوانًا موزعة على 370 مخطوطًا، تغطي مجالات واسعة من العلوم الإنسانية، مع حضور بارز لعلوم الشريعة واللغة العربية والتفسير والحديث والتاريخ والأدب والمعارف العامة. ومن بين نفائسها مخطوط يعود تاريخه إلى عام 653هـ، كما تضم المكتبة الملحقة بها أكثر من ألفي عنوان من أمهات الكتب، مما يعكس اتساع المشروع العلمي الذي بناه الشيخ طوال حياته.
ولا تقف أهمية مخطوطات الخزانة عند قيمتها العلمية ومحتوياتها الأصلية، وإنما تمتد إلى ما حفظته من تقييدات تاريخية نادرة دوّنها أصحابها وقراؤها على صفحاتها. ومن بينها تقييد يحدد موضع استشهاد الإمام عزّان بن قيس في بلد مطرح، فوق السور عند الباب الصغير في حارة الشمال، ليلة السابع من ذي القعدة سنة 1287هـ، كما ورد في الصفحة 208 من الفهرس. ومثل هذه التقييدات تمنح المخطوط قيمة وثائقية إضافية، لأنها تحفظ تفاصيل دقيقة عن المكان والزمان والأحداث، وتفتح أمام الباحثين أبوابًا جديدة لقراءة التاريخ المحلي.
وتكشف محتويات الخزانة، في جانب آخر، عن صورة ثرية لطبيعة الحياة العلمية في عُمان؛ إذ احتضنت نصوصًا من مدارس فقهية وفكرية متعددة، وتجاورت فيها مخطوطات إباضية نسخها علماء من أهل السنة، ومخطوطات سنية بخط علماء من الإباضية، إلى جانب مخطوطات ذات صلة بالتراث الشيعي، فضلًا عن عدد من المخطوطات المكتوبة باللغات الفارسية والأردية والسندية. وهذا التنوع يمنح الخزانة قيمة حضارية تتجاوز حدود التصنيف، ويجعلها سجلًا حيًا للتواصل العلمي الذي عرفته عُمان عبر تاريخها.
ويمثل هذا الرصيد المتنوع شاهدًا تاريخيًا على مكانة العلم في المجتمع العُماني؛ حيث ظل الكتاب مجالًا مشتركًا للتواصل وتبادل المعرفة، وجسرًا يتجاوز الحدود المذهبية والثقافية.
وتبقى لهذه الخزانة حكاية أخرى تتجاوز رفوف الكتب والمخطوطات؛ فخلف هذه الرفوف بيتٌ احتضن حياة علمية واجتماعية كاملة، وحفظ وثائق ومراسلات تسجل حضور العلماء في قضايا المجتمع والدولة. إنها حكاية المكان الذي حفظ أثر المعرفة وصان حضورها، وسنتناولها في الحلقة المقبلة من هذا المقال بإذن الله.
