د. خميس بن حمدان الغافري **
قبل سنوات، عندما كنتُ أعمل في إحدى المؤسسات الحكومية، كنتُ أدرّب مجموعة من الموظفين على مهارات الاتصال والتواصل الفعّال داخل المؤسسة، وفي أحد التمارين عرَضْت على الموظف الأول مشهدًا لا يتجاوز ستين ثانية، ثم طلبت منه أن يصف ما شاهده للموظف الثاني دون أن يرى الثاني المشهدَ، وبعد ذلك نقل الثاني ما فهمه إلى الثالث، وهكذا حتى وصلنا إلى الموظف الخامس.
كانت النتيجة لافتة؛ فما وصل إلى الموظف الخامس كان مختلفًا إلى حدٍّ كبير عن المشهد الأصلي الذي شاهده الموظف الأول، لم يكن أحد يقصد تغيير الصورة، ولم يكن هناك تقصير متعمد، لكن في كل مرحلة يسقط جزء من التفاصيل، ويُفهَم جزء آخر بطريقة مختلفة، ويُضاف شيء من تفسير الشخص نفسه!
تذكرت هذا الموقف كثيرًا وأنا أفكر في الطريقة التي تنتقل بها الرؤى والإستراتيجيات داخل المؤسسات الحكومية؛ فالدولة قد تضع رؤية واضحة، وتحدد أهدافًا ومستهدفات طموحة، ثم تترجمها إلى إستراتيجيات وبرامج ومبادرات، لكن الرؤية لا تُنفَّذ نفسها؛ إذ تبدأ بعد ذلك رحلة طويلة داخل الجهاز الإداري، من القيادة العليا إلى المستويات الإدارية المختلفة، حتى تصل في النهاية إلى الموظف الذي يتخذ القرار، أو ينفّذ الإجراء، أو يقدّم الخدمة للمواطن.
والسؤال هنا: هل تصل الصورة إلى آخر السلسلة بالوضوح نفسه الذي بدأت به؟!
أعتقد أن هذه إحدى أهم المعضلات في الإدارة الحكومية؛ فالتحدي ليس دائمًا في بناء الرؤى والإستراتيجيات، بل في القدرة على تحويلها إلى ممارسة يومية، وقرار، وإجراء، ونتيجة يلمسها المواطن.
بين الرؤية والنتيجة توجد سلسلة طويلة من الترجمة؛ فالهدف الوطني يتحول إلى هدف مؤسسي، ثم إلى برنامج، فمشروع، ثم إلى إجراءات ومهام يومية، وفي كل مرحلة قد يفقد الهدف شيئًا من معناه، إذا لم تكن العلاقة بين هذه المستويات واضحة.
وهنا تظهر أهمية الإدارات الوسطى والتنفيذية باعتبارها حلقة الترجمة الأساسية بين الرؤية والواقع؛ فإذا امتلكَت الفهم والصلاحيات والأدوات، استطاعت أن تحوّل المستهدفات الكبرى إلى نتائج عملية، أما إذا وصلَتْها التوجهات بصورة عامة، أو غير مكتملة، فمن الطبيعي أن تختلف الممارسة عما كان مقصودًا في البداية.
قد يكون التوجّه في أعلى المؤسسة، على سبيل المثال، هو "تحسين تجربة المستفيد"، لكن ماذا يعني ذلك لمدير دائرة أو رئيس قسم؟ هل يعني تقليل عدد الإجراءات؟ أم تقليص زمن إنجاز المعاملة؟ أم منح الموظف صلاحيات أوسع؟ أم إعادة تصميم الخدمة؟ وكيف يدرك الموظف الذي يتعامل يوميًّا مع المستفيد أن القرارات الصغيرة التي يتخذها مرتبطةٌ بهذا المستهدف الكبير؟
إذا لم تُترجم هذه التوجهات إلى معانٍ واضحة، وإجراءات قابلة للتطبيق؛ فقد تكون الإستراتيجية جيدة، والمؤشرات موجودة لكن تستمر الممارسة اليومية كما كانت.
وتزداد المشكلة عندما نشتغل بقياس ما قمنا به أكثر من قياس ما تغيَّر بسببه؛ فقد تنفذ المؤسسة المبادرات المدرجة في خطتها، وتعقد الاجتماعات، وتنجز المشروعات، وتحقق نسبًا مرتفعة في مؤشرات التنفيذ، لكن يبقى السؤال الأهم: هل تغيَّر الواقع الذي صُممت هذه المبادرات من أجله؟
إنَّ إنجاز المشروع لا يعني بالضرورة تحقق أثره، وعدد المبادرات لا يعكس وحده مقدار التحسن في حياة الناس؛ لذلك نحتاج إلى أن تكون مؤشرات الأثر والنتائج حاضرة بالقدر نفسه الذي تحضر به مؤشرات الإنجاز والتنفيذ.
وهناك أيضًا قضية الصلاحيات؛ فمن الصعب أن نطالب مديرًا بنتائج كبيرة، وقدرته على اتخاذ القرار محدودة؛ فمسؤولية النتيجة ينبغي أن يصاحبها مستوى مناسب من الصلاحية، وإلا أصبح المسؤول مُطالَبًا بتحقيق نتائج لا يملك الأدوات اللازمة للوصول إليها، ولا يمكن بناء إدارة قائمة على النتائج إذا ظلت المساءلة منفصلة عن الصلاحيات. كما أن كثيرًا من المستهدفات الوطنية لا تقع داخل حدود مؤسسة واحدة؛ فقد تشترك عدة جهات في تحقيق هدف واحد، وتنجز كل جهة الجزء المطلوب منها، ومع ذلك لا تتحقق النتيجة النهائية بالشكل المتوقع؛ لأن كل مؤسسة نظرت إلى الجزء الذي يخصها، في حين لم ينظر أحد إلى الرحلة كاملة من زاوية المستفيد.
وهنا نحتاج أحيانًا إلى الانتقال من سؤال: ماذا أنجزت كل مؤسسة؟ إلى سؤال أكبر: ماذا تحقق من المستهدف نفسه؟ ومن يتحمل مسؤولية النتيجة الكلية عندما تتوزع أجزاؤها بين عدة جهات؟
وتضع رؤية "عُمان 2040" الحوكمة والأداء المؤسسي ضمن محاورها الرئيسة، وتستهدف قطاعًا حكوميًّا فعَّالًا في التخطيط والتنظيم والمتابعة والتقويم، كما أُنشئت مكاتب لمتابعة تنفيذ الرؤية في الجهات الحكومية، وهي خطوة مهمة في ربط المؤسسات بالمستهدفات الوطنية، وتعزيز متابعة التنفيذ. لكن الخطوة الأعمق -في تقديري- هي أن تنتقل الرؤية من كونها مسؤولية مكتب، أو فريق مختص، إلى أن تصبح جزءًا من طريقة التفكير والعمل داخل المؤسسة؛ بحيث يعرف المدير والموظف لماذا يقوم بهذا العمل؟ وما علاقته بالمستهدف الأكبر؟ وما النتيجة التي يُفترض أن يحققها؟ إذ نحتاج إلى خط أكثر وضوحًا يربط بين المستهدف الوطني، والمستهدف المؤسسي، والمسؤول التنفيذي، والصلاحيات المتاحة، ومؤشرات الأثر، والنتيجة النهائية؛ فإذا تعثرت النتيجة أمكن معرفة مكمن الخلل بدل أن تضيع المسؤولية بين المستويات والجهات المختلفة.
وفي الاتجاه الآخر؛ ينبغي ألا تكون حركة الرؤية من الأعلى إلى الأسفل فقط؛ فالميدان يجب أن يتحدث أيضًا، المدير والموظف القريبان من التطبيق قد يكتشفان أن بعض الإجراءات لا تعمل كما خُطط لها، أو أن افتراضًا بُني عليه البرنامج يحتاج إلى مراجعة؛ لذلك فإن جودة التنفيذ تحتاج إلى مسار يصعد فيه التعلم من الميدان إلى صانع القرار، بالقدر نفسه الذي تنزل فيه التوجيهات من الأعلى؛ فنجاح الرؤى الوطنية يُقاس بما يصل منها إلى حياة الناس والاقتصاد والخدمات والقرارات اليومية للمؤسسات لا بجودة الصياغة وحدها.
وإذا عدتُ إلى ذلك التمرين البسيط الذي بدأت به، فإن التحدي الحقيقي في الإدارة الحكومية يكمن في وصول الصورة إلى الشخص الخامس واضحة كما هي أمام الشخص الأول.
وربما هنا تحديدًا تكمن الحلقة المفقودة في الإدارة الحكومية.
** عضو مجلس الشورى
