الدقم.. من ذاكرة الفرضة إلى صناعة المستقبل

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

قبل أن تشرق شمس النهضة الحديثة على موانئ عُمان، كانت الفرضة تستيقظ على صوت البحر. هناك، حيث تتعانق أصوات البحارة مع حركة السفن، ويرتفع صوت النهّام فوق ظهر المركب؛ ليشحذ الهمم ويوحد حركة الرجال وهم يستعدون لرحلة جديدة نحو آفاق بعيدة.

لم يكن البحر بالنسبة للعُماني مجرد مساحة تفصل بين اليابسة واليابسة، بل كان طريقًا للحياة ونافذةً مفتوحةً على العالم. فمن صُور ومسقط ومرباط انطلقت السفن العُمانية تمخر عباب المحيط الهندي، متجهةً إلى الهند وشرق أفريقيا وغيرها من الموانئ، تحمل التجارة وتحمل معها اسم عُمان وحضورها الحضاري.

وكانت الفرضة أكثر من موقع لاستقبال السفن وتبادل السلع؛ فقد كانت قلبًا نابضًا للحركة الاقتصادية، يلتقي عندها البحّار بالتاجر، وتلتقي فيها البضائع بالأفكار والثقافات. وهناك تشكلت علاقة خاصة بين الإنسان العُماني والبحر، علاقة لم تكن قائمة على التجارة وحدها، بل على المعرفة والانفتاح والقدرة على التواصل مع العالم.

ولأن الأمم التي تعرف تاريخها هي الأقدر على صناعة مستقبلها، فإن عُمان لا تبدأ اليوم علاقتها بالبحر من جديد، بل تستأنف دورًا عريقًا عرفته عبر قرون، ولكن بأدوات العصر ولغة الاقتصاد الحديث. وفي هذا السياق، تمثل الدقم الامتداد الطبيعي لذلك الإرث البحري؛ فهي ليست ميناءً جديدًا فحسب، بل مرحلة جديدة في قصة البحر العُماني.

واليوم، بعد أن تغيرت السفن وتطورت أدوات التجارة، تعود عُمان إلى البحر بلغة جديدة. فلم تعد الموانئ في العصر الحديث مجرد أماكن ترسو فيها السفن، بل أصبحت مراكز اقتصادية تصنع القيمة، وتعزز الأمن الاقتصادي للدول، وترفع قدرتها على مواجهة المتغيرات.

لقد أثبتت الأزمات المتلاحقة في العالم أن التجارة لا تنفصل عن الأمن، وأن الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بقدرتها على إدارة تلك الموارد وتحويلها إلى قوة اقتصادية مستدامة. فالموقع، مهما بلغت أهميته، لا يصنع مستقبلًا وحده ما لم يتحول إلى منظومة إنتاج واستثمار تعود بالنفع على الوطن والمواطن.

ومن هنا تأتي أهمية ميناء الدقم. فهو ليس مجرد مشروع لوجستي أو محطة لعبور البضائع، بل فرصة استراتيجية يمكن أن تعيد تعريف علاقة عُمان بالبحر والتجارة العالمية.

فالقيمة الحقيقية لأي ميناء لا تُقاس فقط بعدد السفن التي يستقبلها، ولا بعدد الحاويات التي تمر عبره، بل بما ينشأ حوله من اقتصاد وصناعة وفرص. فالثروة الحقيقية ليست في مرور السفينة فقط، بل فيما تتركه خلفها من قيمة مضافة.

فالفرق كبير بين أن تكون الدولة ممرًا للتجارة وبين أن تكون شريكًا في صناعتها. فالدولة التي تكتفي بأن تكون طريقًا لحركة التجارة تحصل على جزء محدود من العائد، أما الدولة التي تصنع القيمة فتستقطب الشركات والمصانع ومراكز التوزيع، وتبني اقتصادًا متكاملًا يمتد أثره إلى مختلف القطاعات.

إن امتلاك ساحل طويل وموقع بحري استراتيجي يمثل فرصة عظيمة، لكنه لا يصبح إنجازًا إلا عندما يتحول إلى اقتصاد منتج. فالإنجاز الحقيقي يبدأ عندما يتحول هذا الامتداد البحري إلى صناعة، وعندما لا تكتفي السفن بالعبور في مياهنا، بل تجعل من أرضنا محطةً للإنتاج والتخزين والتوزيع وإعادة التصدير.

فما الفائدة أن تمر السفن بمحاذاة شواطئنا حاملةً تجارة العالم، ثم تصل البضائع إلى أسواقنا بعد أن أُضيفت إليها القيمة في موانئ أخرى؟

إن الطموح الأكبر هو أن تكون عُمان شريكًا في صناعة التجارة، لا مجرد محطة في طريقها.

وعُمان تمتلك عناصر مهمة تساعدها على تحقيق ذلك، لكن هذه العناصر تحتاج إلى رؤية تنفيذية تحول الإمكانات إلى نتائج. فالميناء الحقيقي لا ينتهي عند بوابته البحرية، بل تبدأ منه دورة اقتصادية جديدة قوامها الصناعة والخدمات والتقنيات الحديثة.

وقد أثبتت التجارب الناجحة أن الموانئ التي تصنع المستقبل لا تعمل منفردة، بل تنشأ حولها منظومات اقتصادية متكاملة تجعل من البحر نقطة انطلاق للنمو والتنافسية.

كما أكدت المتغيرات الإقليمية والدولية أهمية بناء اقتصادات أكثر مرونة وقدرة على الاستفادة من التحولات العالمية. وهذا يمنح الدقم فرصةً لتكون نموذجًا اقتصاديًا جديدًا يقوم على تحويل الموقع إلى قيمة، وتحويل الحركة التجارية إلى فرص وطنية.

إن الدقم ينسجم مع رؤية "عُمان 2040" التي تقوم على تنويع الاقتصاد وبناء قطاعات قادرة على المنافسة. فالمستقبل لا يُصنع بامتلاك المقومات وحدها، بل بحسن استثمارها وتحويلها إلى مشاريع وفرص مستدامة.

غير أن نجاح هذا التحول يرتبط بمنظومة حوكمة راسخة تقوم على الرقابة والتدقيق وحماية المصالح الوطنية، بما يضمن سلامة الاستثمارات وشفافية الملكية ومصادر التمويل.

وهنا يتعاظم دور جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة في ترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية، والتأكد من توافق الاستثمارات مع المصالح الوطنية، ومنع أي استغلال قد يتعارض مع أمن الدولة أو مصالحها الاستراتيجية. فكما أن حماية الحدود مسؤولية سيادية، فإن حماية المنافذ الاقتصادية أصبحت اليوم جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن الوطني والاقتصادي.

إن الدقم ليست مجرد ميناء على ساحل عُمان، بل امتداد لقصة بحرية عمرها قرون. ومثلما حملت السفن العُمانية قديمًا التجارة والمعرفة إلى موانئ العالم، فإن سفينة الاقتصاد العُماني اليوم قادرة على حمل الصناعة والفرص والمعرفة نحو المستقبل.

لقد تغيرت الأشرعة إلى حاويات، وتحولت الفرضة إلى منظومات اقتصادية حديثة، لكن الحقيقة بقيت كما هي: الأمم التي تعرف كيف تستثمر تاريخها وموقعها وإمكاناتها لا تكتفي بأن تكون جزءًا من حركة التاريخ، بل تصبح من يصنع اتجاهاته.

ويفرض المستقبل سؤالًا على صُنّاع القرار والمختصين: هل نكتفي بأن تكون عُمان طريقًا تمر منه التجارة؟

أم نجعل من الدقم المكان الذي تُصنع فيه التجارة، وتُعاد صياغة مساراتها، ويُكتب من خلاله فصل جديد من قصة عُمان البحرية والاقتصادية؟

الأكثر قراءة

z