◄ هل تكفي حجة حماية السوق لتعميم العقوبة؟
محمد بن عبدالله بن حمد الحارثي **
مَرَّ أكثر من عقد منذ توقفت عن الكتابة في الصحافة المحلية في الشؤون الاقتصادية، عقب تعييني عضوًا في مجلس الدولة وعدم تجديد ترشُّحي لعضوية مجلس إدارة الجمعية الاقتصادية العُمانية. ومنذ ذلك الوقت انصرفتُ إلى ترجمة الموسوعات والكتب، ولم أكن أتصور أنني سأعود إلى المقالة الصحفية إلّا لسبب يستحق الخروج عن ذلك الانقطاع.
جاء هذا السبب حين قرأت مقالًا لأحد الدكاترة بعنوان: «مخالفة في شركة فتتوقف بقية سجلاتك.. ظلم أم حماية للسوق؟ اقرأ الحقيقة قبل أن تحكم». لا أكتب هنا لمجرد الاختلاف مع صاحبه، ولا دفاعًا عن مخالف أو تقليلًا من شأن حقوق العمال والدائنين والدولة. ما دفعني إلى الرد هو أن الفكرة، إذا قُبِلتْ بصورتها العامة، تتجاوز إجراءً إداريًا بعينه إلى تصور أوسع للمسؤولية؛ تصور يجعل تعدد الشركات مدخلًا للاشتباه، ويعامل الكيانات المستقلة كما لو كانت جيوبًا متعددة لشخص واحد. وهذه مسألة تمس القانون والاقتصاد معًا، وتستحق أن تكون صورتها كاملة أمام أصحاب القرار حتى يمكن تدارك ما قد ينشأ عنها من خلل ومعالجته بما يخدم المصلحة العامة والاقتصاد الوطني.
ولدي سبب اقتصادي آخر للاهتمام بالموضوع؛ فتعدُّد الشركات، متى كان حقيقيًا ومُنظَّمًا، ليس علامة على التحايل، بل صورة طبيعية للتوسع والاستثمار وتوزيع المخاطر. الشركة الجديدة قد تعني نشاطًا مُنتِجًا، ووظائف جديدة، وعقودًا للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإيرادات ورسومًا للدولة، وقيمة مضافة تدخل في الناتج المحلي. ومن واجب الخطاب الاقتصادي والسياسات العامة أن يشجعا هذا النوع من المبادرة، لا أن يضعاه ابتداءً في موضع الشبهة.
حماية السوق تبدأ بتحديد المسؤول عن المخالفة، لا بتوسيع دائرة العقوبة حتى تشمل من لم تثبت مسؤوليته.
المشكلة تبدأ من السؤال نفسه
عبارة «تتوقف بقية سجلاتك» توحي بأن السجل التجاري كيان قائم بذاته، يخالف ويُعاقب وينتقل صاحبه منه إلى سجل آخر. وهذا استعمال شائع، لكنه غير دقيق. السجل التجاري هو في جوهره أداة لقيد بيانات التاجر أو الشركة وإتاحتها، أما من يمارس النشاط ويتحمل الحقوق والالتزامات فهو الشخص الطبيعي أو الاعتباري المقيد في ذلك السجل.

صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي للأغراض التحريرية
هذا الفرق ليس لغويًا. فإذا كان النشاط لتاجر فرد، فإن ذمته لا تنفصل في الأصل عن ذمة النشاط. أما الشركة محدودة المسؤولية أو المساهمة أو شركة الشخص الواحد فهي شخص اعتباري مستقل، حتى لو كان مالكها أو أحد شركائها يملك شركة أخرى. وحين نهمل هذا التمييز نكون قد انتقلنا- من دون سندٍ كافٍ- من محاسبة شخص أو شركة إلى معاملة مجموعة شركات مستقلة كما لو كانت فروعًا لتاجر واحد.
ربما يبدو ذلك نقاشًا فنيًا لا يَهُم إلّا القانونيين، لكنه في الحقيقة أساس القرار الاستثماري. فالمستثمر يدخل مشروعًا معينًا وهو يعرف مقدار رأس المال الذي يخاطر به، ويُقَيِّم البنك الشركة على أصولها وتدفقاتها، ويتعاقد الشريك والدائن معها على أساس ذمتها. فإذا انهارت هذه الحدود بقرار إداري غير محدد، لم يعد الشكل القانوني الذي أقره المشرع يؤدي وظيفته الاقتصادية.
أين السوق في هذه العقوبات؟
من السهل أن يُقال إنَّ الإجراء يحمي السوق، لكن العبارة وحدها لا تجيب عن شيء. أي سوق نريد حمايته؟ وما الخطر الذي يهدده؟ وكيف يؤدي تعطيل شركة لم ترتكب المخالفة إلى إزالة ذلك الخطر؟ في التنظيم الاقتصادي لا تكفي النوايا الحسنة؛ لا بُد من علاقة معقولة ومُثبتة بين الإجراء والنتيجة التي يُراد بلوغها.
لستُ ممن ينكرون أن العقوبة قد تحمي السوق؛ فالمنشأة التي تمتنع عمدًا- وأضع خطين هنا تحت عمدًا- عن دفع الأجور، أو تتهرب من الضريبة، أو تنقل أصولها صوريًا حتى تفلت من دائنيها، تحصل على ميزة غير عادلة على حساب المنشآت الملتزمة. ومن ثم فإن وقفها ومحاسبة المسؤولين عنها يحمي المنافسة وحقوق العمال والدائنين والمال العام. هذه غاية مشروعة، بل ضرورية.
لكن حماية السوق في هذه الصورة تُبرِّر محاسبة الشركة المُخالِفة ومن ثبُتَت مسؤوليته عن المخالفة. ولا تمتد الحُجة إلى شركة أخرى إلّا إذا قامت صلة حقيقية: كأن تُستخدَم لمواصلة النشاط المحظور، أو تُنقل إليها الأصول والعقود بقصد الإفلات من الالتزامات، أو تكون جزءًا من ترتيب صوري. أما مجرد أن المالك أو المدير أو المفوض نفسه يظهر في أكثر من سجل، فذلك يكشف علاقة معلوماتية، ولا يثبت وحده تحايلًا ولا يصنع علاقة سببية تبرر العقوبة.
والسؤال الذي ينبغي أن يسبق أي إيقاف متقاطع بسيط: ما الذي فعلته الشركة الأخرى؟ إذا لم يكن ثمة جواب محدد ومدعوم بدليل، يصبح وصف الإجراء بأنه حماية للسوق مجرد حجة لتوسيع نطاقه. وقد ينتهي الأمر إلى عكس الغاية المعلنة: شركة منتجة تتعطل، وعمال يخسرون مصدر أجورهم، ودائنون تتراجع فرص استيفائهم، وتعثر ينتقل من كيان إلى آخر.
القانون يرسم حدود المسؤولية
قانون الشركات التجارية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (18/2019) لا يترك مسألة استقلال الشركة للتقدير العام؛ فالمادة (14) تُقرِّر، فيما عدا شركة المحاصة، اكتساب الشركة الشخصية الاعتبارية من تاريخ تسجيلها. والمادة (234) تقصر مسؤولية الشريك في الشركة محدودة المسؤولية على مقدار حصته، فيما تقرر المادة (293) أن مالك شركة الشخص الواحد لا يُسأل عن التزاماتها إلا بمقدار رأس المال المخصص لها.
ولعل المادة (231) أوضح دلالة في هذا النقاش؛ فهي تقرر استقلال شخصية الشركة القابضة عن الشركة التابعة، وعدم مسؤولية القابضة من حيث الأصل عن ديون التابعة. فإذا كان القانون يفصل بين شركتين رغم أن القابضة تملك ما لا يقل عن 51 في المائة من التابعة وتسيطر عليها ماليًا وإداريًا، فليس من اليسير القول إنَّ مجرد وجود مالك أو مدير مشترك يكفي لضم ذِمَم شركتين لا تربطهما علاقة قابضة وتابعة.
أما المادة (139) من قانون العمل، وهي أقرب النصوص إلى موضوع الإيقاف، فتُجيز للوزارة بالتنسيق مع الجهات المختصة ربط المخالفات المقيدة ضد أصحاب العمل في سجل التزامات تلك الجهات وإيقاف خدماتها عنهم حتى زوال المخالفات. العبارة المهمة هنا هي «ضد أصحاب العمل». والقانون يعرف صاحب العمل بأنه الشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يعمل لديه عامل فأكثر. فإذا كان العمال لدى شركة محدودة المسؤولية؛ فالشركة هي صاحب العمل. ولا يوجد في نص المادة حكمًا عامًا يعتبر كل شركة يشترك فيها مالك أو مدير واحد صاحب عمل واحدًا مع بقية الشركات. كما أن المادة (150) تجعل الجزاءات الإدارية خاضعة لقرار من الوزير، وهو ما يقتضي وضوح نوع الجزاء ونطاقه وضوابطه.
وتظهر المشكلة كذلك في جمع المالك والشريك والمدير والمفوض بالتوقيع والمستفيد الحقيقي في سلة واحدة. هذه مراكز مختلفة: قد يكون الشريك مستثمرًا لا يُدير، والمدير مُحترفًا لا يملك، والمفوض موظفًا محدود الصلاحية، والشريك الصغير بعيدًا عن السيطرة. أما سجل المستفيد الحقيقي، وفق القرار رقم (424/2023)؛ فهو أداة للشفافية ومعرفة من يملك أو يسيطر فعليًا؛ وليس حكمًا مسبقًا بإدانته، ولا نصًا يدمج ذمم جميع الشركات التي يرتبط بها.
الربط الإلكتروني: معرفة أكثر لا مسؤولية أوسع
لا خلاف على أهمية الربط بين وزارة التجارة ووزارة العمل وجهاز الضرائب والشرطة والبلديات وغيرها من الجهات. الدولة الحديثة لا يمكن أن تدير الاقتصاد بملفات منفصلة لا تتحدث مع بعضها. والربط الرقمي يساعد على اكتشاف التناقضات وتحديث البيانات وتتبع المخالفات، وهو في ذلك مكسب إداري ينبغي تطويره.
غير أن معرفة العلاقات لا تعني وحدة المسؤولية. قد تعرض الشاشة شخصًا شريكًا في شركة، ومديرًا في ثانية، ومفوضًا في ثالثة، ومستفيدًا حقيقيًا من رابعة؛ لكنها لا تخبرنا، من دون تحقيق، من اتخذ القرار المخالف، ولا ما إذا كانت الشركات قد خلطت أموالها أو نقلت أصولها أو عملت كمشروع واحد. قاعدة البيانات تقدم واقعة أولية، والقانون هو الذي يمنحها أثرها بعد الفحص والإثبات.
ولهذا لا أطمئنُ إلى أن يصبح لون إشارة أمام اسم شخص، أساسًا لتعطيل كيان كامل. التقنية قادرة على تنفيذ قرار واسع في ثوانٍ، لكن سهولة التنفيذ ليست دليلًا على عدالته. وكلما ازدادت قدرة النظام الإلكتروني، ازدادت الحاجة إلى معايير منشورة وقرار مسبب وطريق سريع لتصحيح الخطأ.
استقلال الشركة ليس حصانة للغش
القول باستقلال الشركات لا ينبغي أن يُفهم دفاعًا عن المُحتالين. القانون نفسه يعرف متى يتجاوز الشكل الظاهر: الشريك المتضامن مسؤول وفق طبيعة الشركة، والضامن الشخصي يلتزم بضمانه، والمدير يسأل عن غشه أو تزويره أو خطئه الذي سبب الضرر، ونقل الأصول صوريًا للإضرار بالدائنين لا يحظى بالحماية لمجرد أنه تم بين شركتين.
وفي شركة الشخص الواحد، تقرر المادة (296) مسؤولية المالك في أمواله الخاصة إذا قام بسوء نية بتصفيتها أو وقف نشاطها قبل انتهاء مدتها أو تحقق غرضها، أو إذا لم يفصل بين أعمالها وأعماله الخاصة. ما يميز ذا النص أنه لا يفترض سوء النية من مجرد الملكية، بل يحدد السلوك الذي يهدم الحماية ثم يرتب عليه المسؤولية. هذا هو المنهج السليم: فعل محدد، ودليل، ومسؤول معروف.
أما التعثُّر أو انتهاء السجل أو تراكم الديون فلا يثبت بذاته الاحتيال. التجارة بطبيعتها معرضة للربح والخسارة، وقد يتعثر المشروع لأسباب خارجة عن سيطرة أصحابها بسبب قرار حكومي، أو عميل كبير، أو تغير في السوق، أو خلاف بين الشركاء، أو حتى سوء إدارة لا يرقى إلى الغِش. لا يجوز أن يتحول الفشل التجاري إلى قرينة أخلاقية، ولا تعدد الشركات إلى افتراض دائم بسوء النية.
المقارنة الدولية.. وما لا تقوله!
استُشهد في النقاش بالمملكة المتحدة وسنغافورة. في البلدين توجد قواعد لاستبعاد مدير ثبت سوء سلوكه أو عدم صلاحيته من تولي مناصب إدارية أخرى. لكن الجزاء هناك يقع على المدير وفق حكم أو إجراء قانوني محدد، ولا يجعل الشركات الأخرى ضامنة لديون الشركة التي أدت إلى استبعاده. الفكرة هي منع شخص غير صالح من الإدارة، لا إلغاء استقلال كل شركة عرفته في يوم من الأيام.
وفي دولة الإمارات، توجد قواعد خاصة في نظام حماية الأجور قد تمد بعض التدابير إلى منشآت أخرى مملوكة للأشخاص أنفسهم. غير أن وجود قاعدة خاصة هو في ذاته دليل على أن هذا الامتداد يحتاج إلى نص يحدد شروطه ونطاقه، لا إلى شعار عام. كما أن جمع نماذج قانونية وتنظيمية مختلفة تحت مسمى الربط المانع بين الكيانات «Cross-Entity Blocking» لا يُنشئ بذاته قاعدة قانونية عُمانية، ولا يُغني عن التحقُّق من السند القانوني، وضوابط تطبيق الإجراء، وضمانات التظلم والطعن.
الثمن الاقتصادي لامتداد العقوبة
وما يثير القلق اقتصاديًا أن آثار هذا الإجراء لا تظل محصورة في الشركة المخالفة، بل قد تمتد إلى مشروعات أخرى مستقلة عنها. فالمستثمر يؤسس شركات منفصلة للتوسع في أنشطة جديدة، لتوزيع المخاطر، وحماية كل مشروع من تعثر مشروع آخر، من دون تعريض أعماله جميعها لخطر واحد. فإذا أصبحت مخالفة تقع في شركة سببًا لتعطيل شركات أخرى ملتزمة، فقد استقلال كل مشروع معناه العملي، وأصبحت المسؤولية المحدودة ضمانة غير مستقرة. ويؤدي ذلك إلى رفع مخاطر الاستثمار وتكاليفه، وإضعاف الرغبة في تأسيس مشروعات جديدة أو التوسع في المشروعات القائمة.
وقد تكون الشركة الأولى متعثرة فعلًا، فيما الثانية ناجحة وتدفع أجورها وضرائبها ورسومها. حين تتوقف خدمات الثانية قد تعجز عن تجديد ترخيص أو تنفيذ عقد أو استقدام عامل تحتاج إليه، فتتراجع تدفقاتها وتتعثر هي أيضًا. بدلًا من احتواء المشكلة نكون قد نقلناها، وبدلًا من حماية وظائف قائمة نكون قد عرضناها للخطر.
ثمَّ إنَّ الشركة السليمة ليست مالكها وحده. فيها شركاء ربما لا يعرفون شيئًا عن الشركة المخالفة، وعمال يعتمدون على رواتبهم، ودائنون منحوا الائتمان على أساس ذمتها المستقلة. الضغط عليها لتحمل التزام لا يخصها يحمّل هؤلاء كلفة تصرف لم يشاركوا فيه. ومن المفارقة أن إجراءً يقال إنه يحمي العمال قد يهدد أجور عمال آخرين.
وستقرأ البنوك والمستثمرون هذا الخطر بطريقتهم. البنك الذي لا يستطيع حصر مخاطر الشركة في ميزانيتها سيوسع دائرة الفحص، ويرفع الضمانات وكلفة الائتمان، وقد يحجم عن التمويل. والشريك الجديد سيخشى أن يحمل أحد الشركاء معه تاريخًا تنظيميًا يمتد إلى المشروع. أما المستثمر الأجنبي، فأكثر ما يهمه بعد سهولة التأسيس هو إمكان توقع القرار واستقرار القاعدة.
حتى الشفافية قد تتضرر. فإذا أصبح ظهور اسم المستثمر في أكثر من كيان مصدرًا لخطر جماعي، فقد يدفع ذلك بعضهم إلى ملكيات صورية وترتيبات أكثر تعقيدًا لإخفاء العلاقة. وهكذا يعاقب النظام المستثمر الذي يفصح، ويكافئ من يجيد الاختباء. الأجدى أن تستخدم بيانات المستفيد الحقيقي لكشف إساءة الاستعمال وإثباتها، لا أن يصبح الإفصاح نفسه قرينة ضد صاحبه.
من الإجراء التنظيمي إلى التعسُّف الإداري
ليس كل امتداد للقيود تعسفًا. إذا أجاز القانون الإجراء، وثبتت علاقة الشركة الأخرى بالتحايل، وصدر قرار مسبب ومتناسب، فنحن أمام أداة مشروعة لحماية الحقوق. لكن الصورة تختلف حين تُعطل شركة لمجرد اشتراكها في مالك أو مدير، من دون نص صريح أو دليل على سيطرة أو تحايل أو علاقة سببية. عندئذ يقترب الإجراء من التعسف الإداري والتعسف في استعمال السلطة، لأنه ينقل أثر الجزاء إلى غير من ثبتت مسؤوليته.
قد تدفع قسوة الأثر بعض المتضررين إلى تسميته بلطجة أو قرصنة إدارية. لا أرى أن هذين الوصفين يخدمان الحجة؛ فهما انفعاليان ويحملان إيحاءات جنائية قد تصرف النقاش عن أصله. الوصف الأدق هو الإكراه الإداري والعقوبة الجماعية الاقتصادية: تصبح الشركة السليمة أشبه برهينة تنظيمية، تُعطل خدماتها للضغط من أجل تسوية مخالفة في شركة أخرى. ليست المشكلة في قوة الدولة على إنفاذ القانون، بل في توجيه هذه القوة إلى غير المسؤول عن المخالفة.
ما يقوله النظام الأساسي للدولة
ولا يقف الاعتراض على امتداد أثر المخالفة عند حدود قانون الشركات واستقلال الذمة المالية. فالنظام الأساسي للدولة يرسم للإدارة والاقتصاد معًا إطارًا أوسع ينبغي أن تقرأ في ضوئه مثل هذه الإجراءات. المادة (13) تجعل من إقامة نظام إداري سليم يكفل العدل والطمأنينة والمساواة ويرعى المصالح العليا للوطن مبدًا موجهًا لسياسة الدولة. ومعنى ذلك أن كفاءة الإدارة لا تقاس فقط بقدرتها على إيقاف الخدمة، بل بقدرتها على تحديد المسؤول، وتسبيب قرارها، ومنع انتقال الضرر إلى من لم يرتكب المخالفة.
وتأتي المادة (14) في صميم الجانب الاقتصادي من هذا النقاش؛ فهي تكفل حرية النشاط الاقتصادي، وتقرر تشجيع الاستثمار وتوفير الضمانات والتسهيلات اللازمة له، وتربط ذلك بالتنمية وزيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل. ولهذا لا يجوز تقييم الإجراء الإداري من زاوية قدرته على الضغط وحدها. يجب أن يحسب أيضًا ما قد يسببه من تعطيل لشركة منتجة، أو تهديد لوظائف قائمة، أو إرباك لعقود وائتمان، أو إضعاف لثقة المستثمر في إمكان توقع القرار الإداري.
أما المادة (26) فتقرر أن العقوبة شخصية. وينبغي هنا أن نكون دقيقين: النص ورد في سياق الجرائم والعقوبات، ووقف الخدمات قد يوصف قانونًا بأنه تدبير أو جزاء إداري لا عقوبة جنائية؛ لذلك لا يصح القول إن المادة تحسم وحدها بطلان كل أثر إداري يمتد إلى كيان آخر. لكن شخصية المسؤولية تظل مبدًا دستوريًا مهمًا في تفسير حدود السلطة الإدارية، ولا ينبغي أن يصبح تغيير الاسم من «عقوبة» إلى «إجراء تنظيمي» طريقًا لتجاوز جوهره، متى كان الإجراء في حقيقته يحمل أثرًا عقابيًا بالغًا على شركة لم ترتكب المخالفة ولم تستفد منها.
هذا لا يجرد الإدارة من أدواتها في مواجهة التحايل الحقيقي. فلها أن تتدخل عندما تثبت الشركة الصورية، أو نقل الأصول للإضرار بالدائنين، أو وحدة الإدارة الفعلية، أو إساءة استعمال الشخصية الاعتبارية، أو حين يجيز نص صريح امتداد الإجراء بشروط محددة. لكن الفارق كبير بين مسؤولية تبنى على وقائع وتحقيق وقرار مسبب، وبين مسؤولية تنشئها المنصة تلقائيًا لمجرد ظهور اسم الشخص نفسه في أكثر من سجل.
وتكتمل الصورة بما تقرره المواد (30) و(76) و(79): حق التقاضي مصون، وسيادة القانون أساس الحكم، والمنازعات الإدارية من اختصاص القضاء الإداري. لذلك يجب أن يعرف المتضرر سبب الإيقاف وسنده ونطاقه ومدته، وأن يجد طريقًا سريعًا وفعَّالًا للتصحيح والتظلُّم والطعن، وأن يرفع القيد فور زوال سببه. أما الحظر المفتوح أو غير المُسبَّب، فقد ينقلب من وسيلة لتنفيذ القانون إلى صورة من صور التعسُّف الإداري وإلى عبء على الاقتصاد أكثر من كونه حماية للسوق.
المطلوب تنظيم أدق لا رقابة أضعف
لا أقترحُ إلغاء الإيقاف ولا ترك المخالف يُبدِّل أسماء شركاته كلما ضاق عليه الخناق. المطلوب- في تقديري- نظام أدق وأقوى؛ لأنه يضرب موضع المخالفة ولا يبعثر أثره على السوق. ويمكن أن يقوم هذا النظام على ضمانات عملية واضحة:
• تعريف المخالفات الجسيمة وحصرها ونشرها، بحيث لا يبقى الوصف عبارة مرنة تتغير من حالة إلى أخرى.
• تحديد معنى الكيان المرتبط ونسبة الملكية أو السيطرة المؤثِّرة، مع التمييز بين المالك المُسيطر والشريك الصغير والمدير المهني والمُفوَّض المحدود.
• اشتراط دليل على العلاقة السببية أو إساءة الاستعمال قبل مَدِّ الإجراء إلى شركة أخرى، لا الاكتفاء بوجود اسم مشترك في قاعدة البيانات.
• إصدار قرار مكتوب ومُسبَّب يُبيِّن النص والمخالفة والكيانات والخدمات المشمولة ومدة الإيقاف وما يلزم لرفعه.
• تمكين أصحاب الشأن من الرد والتصحيح والتظلُّم أمام مسار سريع وفعَّال، ورفع القيد فور زوال سببه أو ثبوت خطأ الربط.
• مُراعاة التناسب وحماية حقوق الشركاء والعمال والدائنين الأبرياء، وعدم وقف الخدمات اللازمة لدفع الأجور أو إتمام التصفية أو معالجة المخالفة.
هذه الضمانات ليست ترفًا قانونيًا؛ فالمستثمر يحتاج إلى معرفة القاعدة قبل أن يضع ماله، والبنك يحتاج إلى تسعير الخطر، والشريك يريد أن يطمئن إلى أنه لن يدفع ثمن قرار خارج سيطرته، والموظف الحكومي نفسه يحتاج إلى معيار يحمي قراره من التفاوت والاجتهاد الشخصي. الوضوح لا يضعف هيبة الإدارة؛ بل يمنحها شرعية ومصداقية أكبر.
الخاتمة: حاسبوا المُخالِف ولا تعاقبوا الاقتصاد
خلاصة الرأي أن حماية السوق لا تكون بافتراض أن كل مُستثمر مُتعدِّد الشركات مُتحايل، ولا بتعطيل شركة ناجحة للضغط على شركة متعثرة. الحماية الحقيقية هي أن نصل إلى المخالف، ونثبت فعله، ونسترد ما نقله صوريًا، ونمنعه من تكرار المخالفة، من دون أن نهدم في الطريق شركات سليمة توفر عملًا وتدفع أجورًا وضرائب ورسومًا.
وهذه ليست مطالبة بتقديم الاقتصاد على القانون، بل دعوة إلى تطبيق القانون على نحو يحقق غايته؛ فالنظام الأساسي للدولة يجمع بين الإدارة السليمة وسيادة القانون وحرية النشاط الاقتصادي وتشجيع الاستثمار؛ ولا يجوز أن تؤخذ واحدة من هذه الغايات بمعزل عن الأخرى. حماية الحقوق واجبة، لكن وسيلتها يجب أن تكون مشروعة ومحددة ومتناسبة وموجهة إلى المسؤول الحقيقي.
الدولة القوية ليست التي تستطيع إيقاف أكبر عدد من الكيانات بضغطة زر، وإنما التي تميز بين المخالف والمرتبط به، وبين العلاقة الظاهرة والمسؤولية الثابتة، ثم تحاسب بدقة وعدل. وحين يعرف المستثمر أن القانون سيلاحق الغش فعلًا، لكنه لن يأخذه بذنب غيره، تتحقق حماية السوق وتتقوى الثقة في الدولة والاقتصاد معًا.
المعادلة العادلة: لا يفلت المُخالِف من المساءلة، ولا يُعاقب المُلتزِم بذنب غيره.
**************
المراجع القانونية والتنظيمية الأساسية
1- قانون السجل التجاري العُماني
2- قانون الشركات التجارية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 18/2019
3- قانون العمل العُماني - وزارة العمل
4- لائحة تنظيم إجراءات معرفة المستفيد الحقيقي، القرار رقم 424/2023
5- النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 6/2021
6- الحكومة البريطانية: استبعاد مديري الشركات
7- هيئة المحاسبة وتنظيم الشركات في سنغافورة: الاستبعاد والمنع
8- وزارة الموارد البشرية والتوطين الإماراتية: نظام حماية الأجور
** الرئيس الأسبق للجمعية الاقتصادية العُمانية، والرئيس الأسبق للجنة الاقتصادية بمجلس الدولة
