مطرح.. ماذا نملك؟ ماذا تغيّر؟ وماذا نفعل قبل أن يأتي الغد؟

 

 

 

أنور الخنجري

alkhanjarianwar@gmail.com

 

 

هناك مُدنٌ تُبنى من جديد، ومُدنٌ تُرمَّم، ومُدنٌ تبحث عن هوية جديدة. أما مطرح؛ فهي حالة مختلفة؛ هويتها موجودة، وقصتها ممتدة عبر قرون.

السؤال الحقيقي اليوم هو: ماذا نملك في مطرح؟ ماذا تغيّر؟ ماذا يحدث الآن؟ ماذا يمكن أن نتعلم؟ وماذا يجب أن نفعل؟ وما الذي ينتظرنا في القادم؟

تساؤلات منصفة طرحها سعادة حسين بن محمد اللواتي عن مطرح في مقاله الأخير في جريدة الرؤية. وتبدو هذه التساؤلات بسيطة في ظاهرها، لكنها تمس مستقبل واحدة من أكثر المدن العمانية خصوصية. وفي هذا السياق، نحاول الإجابة عنها من خلال معرفتنا المتواضعة بمطرح، وما أشرنا إليه في مقالاتنا السابقة من رؤى وأفكار حول تطوير المدينة واستثمار مقوماتها السياحية والاقتصادية.

ولعل البداية تكون من السؤال الأول: ماذا نملك في مطرح؟

نملك مدينة لا تتكرر؛ نملك البحر، أحد أهم عناصر شخصية مطرح؛ فمنه ارتبطت المدينة بالصيد والتجارة والموانئ والأسفار، ومنه تشكل جانب كبير من اقتصادها وذاكرتها الاجتماعية. ونملك الجبل الذي يحتضن المدينة ويمنحها مشهدها العمراني المميز، ونملك القلعة والأسوار والأحياء التاريخية والمساجد والمباني القديمة التي تحمل فرصًا اقتصادية وثقافية وسياحية كبيرة. نملك سوق مطرح بما يمثله من قيمة تجارية واجتماعية وتراثية، وبما يحتضنه من محلات وحرف وأنشطة ارتبطت بالمدينة لعقود طويلة. ونملك مجتمعًا متنوعًا تشكل عبر التجارة والهجرة والعمل والبحر، فأصبحت مطرح مدينة تتجاور فيها الثقافات والمهن والقصص. ونملك فوق ذلك كله اسم مطرح؛ اسمًا يحمل قيمة تاريخية، ويختصر في ذاكرة الناس صورة مدينة ارتبطت بتاريخ عُمان كما ارتبطت بالبحر والتجارة والأسواق والتنوع.

ومن هنا يأتي سؤال آخر أكثر أهمية: كيف نحافظ على مطرح ونحوّل مقوماتها إلى علامة تجارية وقيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة؟

وللإجابة عن ذلك، علينا أن نفهم أولًا ماذا تغيّر؟

مطرح اليوم تختلف عن مطرح قبل عقود. تغيرت طبيعة التجارة، وأنماط الاستهلاك، وحركة الناس، وعلاقة السكان بالمكان، كما تغيرت السياحة وأصبح الزائر يبحث عن التجربة المتكاملة.

وتغيرت المدينة نفسها من خلال المباني والمرافق الجديدة، وتحسينات الواجهة البحرية، وتطوير الأسواق، ومعالجة بعض تحديات البنية الأساسية والمرور والمواقف والممرات والخدمات. وأصبحت مطرح اليوم تؤدي أدوارًا متعددة: سكنية وتجارية وسياحية وثقافية وتراثية واقتصادية. هذا التحول فتح فرصًا واسعة، لكنه يضع أمامنا اليوم سؤالًا جوهريًا: كيف نطوّر مطرح ونحافظ في الوقت نفسه على روحها وخصوصيتها؟

وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا ونحن نتابع ماذا يحدث الآن؟

ما يحدث أن مطرح تشهد اليوم مجموعة من التحولات التي يمكن أن تعيد تشكيل علاقتها بالبحر والسوق والميناء والسكان والزوار. ويأتي تطوير الواجهة البحرية لميناء السلطان قابوس ضمن المشاريع التي تستهدف تعزيز مكانة مطرح كوجهة سياحية واقتصادية، انسجامًا مع توجهات التنويع الاقتصادي ورؤية "عُمان 2040". كما تتواصل أعمال مشروع تليفريك مطرح وميدان مطرح وخطة توسعة الشارع البحري وتطوير الأسواق والخدمات، إلى جانب الاهتمام بإعادة تأهيل المناطق والممرات والساحات والمواقف وتحسين البنية الأساسية. وهذه التحولات تعني أن مطرح مدينة تتحرك نحو مرحلة جديدة، وهي مرحلة تحمل فرصًا كبيرة بقدر ما تحمل من مسؤوليات. فسرعة التطوير تحتاج إلى رؤية واضحة تحافظ على العناصر التي صنعت شخصية المدينة، وتضمن أن تظل التنمية مرتبطة بهويتها وذاكرتها ومجتمعها.

وهنا يأتي السؤال الأهم: ماذا يمكن أن نتعلم؟

نتعلم من مطرح أن التراث يمكن أن يكون موردًا اقتصاديًا؛ فالبيت القديم يمكن أن يتحول إلى نُزل أو مطعم أو معرض أو مساحة ثقافية، والحرفة يمكن أن تصبح منتجًا، والسوق يمكن أن يتحول إلى تجربة، والشارع إلى وجهة، والواجهة البحرية إلى مساحة للعيش والعمل والسياحة.

ونتعلم كذلك أن تطوير مطرح يحتاج إلى مشاركة أهلها. فالصياد والتاجر والحرفي وصاحب المحل وساكن الحي والعامل والمستثمر جميعهم جزء من منظومة المدينة، والاستماع إليهم يساعد على بناء مشاريع أكثر ارتباطًا باحتياجات الواقع وأكثر قدرة على الاستمرار. كما نتعلم أن نجاح السياحة يقاس بجودة التجربة وقيمتها الاقتصادية. كم ينفق الزائر؟ كم ليلة يقضي؟ ماذا يشتري؟ ماذا يتعلم؟ أين يأكل؟ وهل يعود مرة أخرى؟ فالغاية أن يعيش الزائر مطرح، وأن يجد فيها تجربة تستحق العودة.

ومن هنا نصل إلى السؤال الذي يتطلب منا موقفًا عمليًا: ماذا نفعل؟

وللإجابة على ذلك، ربما نحتاج إلى التفكير في التجربة التي نريد أن يعيشها الإنسان في مطرح. يمكن أن تقوم الرؤية على جعل مطرح مدينة تُعاش وتُكتشف في الوقت نفسه. ويبدأ ذلك بحماية هوية مطرح، من خلال وضع إطار واضح يحافظ على الواجهات والارتفاعات والألوان والمواد والمشهد الجبلي والبحري والأزقة والمباني التاريخية والهوية البصرية للأسواق والأحياء.

كما ينبغي إعادة الاقتصاد المحلي إلى قلب التطوير، بحيث يفتح فرصًا جديدة للتاجر الصغير والحرفي والصياد وأصحاب المشاريع المحلية، ويجعلهم جزءًا أساسيًا من الاقتصاد الجديد للمدينة. ومن هنا يمكن بناء تجربة سياحية متكاملة تجعل مطرح نفسها وجهة؛ يبدأ فيها الزائر جولته من البحر، ويمر بالسوق والقلعة والأحياء القديمة والبيوت التراثية والمطاعم وورش الحرف، ثم يعود إلى الواجهة البحرية.

وهذا يتطلب أن يكون المشي جزءًا من هوية مطرح؛ فهي مدينة يمكن اكتشافها سيرًا على الأقدام. وتحسين الربط بين السوق والبحر والقلعة والأحياء القديمة سيزيد من قيمة التجربة، ويمنح المدينة حياة أكثر حيوية، ويقرب الزائر من تفاصيلها وذاكرتها.

كما نحتاج إلى جيل جديد من المرشدين السياحيين والحرفيين وأصحاب المشاريع والمطاعم والمقاهي والمصممين ومنتجي المحتوى وأصحاب التجارب السياحية؛ فمستقبل مطرح يحتاج إلى الإنسان بقدر حاجته إلى المكان.

مطرح تملك كل المقومات التي تجعلها مدينة استثنائية، وما تحتاجه اليوم هو رؤية تجمع بين حماية هويتها، وتطوير اقتصادها، وتحسين جودة الحياة فيها، وتحويل مقوماتها التاريخية والطبيعية إلى تجربة معاصرة ومستدامة. فمطرح التي نعرفها تشكلت عبر قرون، ومطرح التي نريدها أن تصل إلى الأجيال القادمة تتشكل من قراراتنا اليوم.

وهنا يعود السؤال الأول في صورة أكثر اتساعًا: ماذا نريد لمطرح أن تكون؟

نريدها مدينة تحفظ ذاكرتها وتعيش حاضرها وتستعد لمستقبلها، وتعرف كيف تحول تاريخها إلى فرصة، وموقعها إلى قيمة، وتراثها إلى اقتصاد، ومجتمعها إلى شريك في التنمية.

مطرح اليوم تقف على عتبة مرحلة جديدة. ولذلك فإن السؤال لم يعد: هل ستتغير مطرح؟ فهي تتغير بالفعل. السؤال الأهم هو: من سيحدد شكل هذا التغيير؟ هل سيكون التغيير مجرد مشاريع ومبانٍ وطرق؟

أم سيكون مشروعًا متكاملًا يعيد تعريف علاقة الإنسان بالمدينة؟

ربما نحتاج اليوم إلى أن نتوقف قليلًا عن سؤال: ماذا سنبني؟ وأن نبدأ بسؤال أكبر: أي مطرح نريد أن نورثها للأجيال القادمة؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z