من خزائن العلماء إلى ذاكرة الوطن (2- 2)

 

 

 

 

فهرس مخطوطات خزانة الشيخ حمد بن سعود الخنجري

 

 

 

أنور الخنجري

alkhanjarianwar@gmail.com

 

نشأت خزانة الشيخ حمد بن سعود الخنجري في إطار منظومة علمية احتضنها بيت عريق، ونمت عبر السنين حتى غدت ذاكرة حية لمرحلة مهمة من تاريخ العلم والمجتمع في عُمان. ولم تكن هذه الخزانة مجرد وعاء للكتب والمخطوطات، وإنما صورة متكاملة لعلاقة العالم بالكتاب، وللبيئة العلمية والاجتماعية التي احتضنت المعرفة وحافظت عليها عبر الأجيال.

فالكتاب يرتبط بالمكان الذي نشأ فيه، والمخطوط تكتمل دلالاته حين نتعرف إلى البيئة التي حفظته، والأشخاص الذين قرؤوه ونسخوه وتداولوه، والظروف التي أسهمت في بقائه ووصوله إلى أيدي الباحثين اليوم. ومن هنا تبرز أهمية البيت الذي احتضن هذه الخزانة؛ فقد كان فضاءً لحياة علمية واجتماعية أسهمت في تشكيل جانب من الذاكرة الثقافية والوطنية.

وتمتد هذه الذاكرة إلى ما هو أبعد من الكتب والمخطوطات؛ إذ تحتفظ الخزانة بأرشيف مهم من المراسلات الرسمية والخاصة، يقدم جانبًا آخر من صورة ذلك العصر. وتفتح هذه الوثائق نافذة على العلاقات العلمية والاجتماعية، وعلى المواقف والقضايا التي تفاعل معها العلماء، وما أدوه من أدوار في حياة المجتمع.

وتضم هذه المراسلات رسائل متبادلة بين الشيخ حمد بن سعود الخنجري ووالده وعمه، وبين عدد من السلاطين والعلماء وكبار رجال الدولة داخل عُمان وخارجها، تناولت قضايا دينية واجتماعية وعامة، وكشفت عن طبيعة التواصل بين العلماء ومحيطهم، وعن حضورهم الفاعل في الحياة العامة.

وتبرز أهمية هذه المراسلات في قدرتها على إظهار جانب من الدور الذي اضطلع به العالم العماني في الحياة العامة؛ فقد شارك في معالجة قضايا المجتمع، وتقديم الرأي والمشورة، والإسهام في ترسيخ الوعي الديني والاجتماعي، بما يعكس مكانة العلماء في بناء المجتمع وتوجيهه.

وقد تبدو بعض الوثائق الخاصة محدودة في نطاقها، إلا أن قيمتها التاريخية تتجاوز ظاهرها؛ فهي تتيح للباحث الاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية، واستجلاء طبيعة العلاقات بين العلماء والناس، والتعرف إلى طرائق التفكير والتعامل مع القضايا التي شغلت المجتمع في ذلك الوقت. ومن هنا تكتسب المراسلات الخاصة أهميتها، لأنها تمنح التاريخ بعدًا إنسانيًا لا توفره الوثائق الرسمية وحدها.

ويرتبط هذا الجانب الوثائقي ارتباطًا وثيقًا بالمكان الذي احتضن الخزانة لعقود طويلة؛ "بيت الخنجري" في حارة الشمال بمطرح، وهو بيت أثري يزيد عمره على مائتي عام. فقد احتضن هذا البيت حياة علمية واجتماعية امتدت آثارها إلى محيطه، وكانت أروقته فضاءً للعلم واللقاء، ومقصدًا لطلاب المعرفة والمستفتين وأصحاب الحاجات.

وفي رحابه قُرِأت الكتب، ونوقشت المسائل العلمية، وحُفظت المخطوطات، وتبادلت الرسائل، وتوثقت صلات العلماء بأهل المجتمع.

ومع مرور الزمن، أصبح البيت جزءًا من الحكاية التي تحملها الخزانة ومقتنياتها؛ فهو يحفظ ذاكرة المكان الذي نمت فيه الأفكار، وتكوّنت فيه الشخصيات، واتخذت فيه مواقف كان لها أثر في المجتمع والدولة. ومن هذه الزاوية يغدو "بيت الخنجري" شاهدًا ماديًا على مرحلة من تاريخ العلم والحياة الاجتماعية في مطرح، وقيمة تراثية تستحق العناية والتوثيق.

وقد اقتضت ظروف المحافظة على محتويات الخزانة نقلها مؤقتًا من موقعها الأصلي حفاظًا عليها من الضياع والاندثار، في ظل قدم البيت وتعرض أجزاء منه للتصدع والانهيار. ومع ذلك، تبقى الصلة بين الخزانة ومكانها التاريخي قائمة؛ فالمخطوطات والكتب والمراسلات تحمل جانباً من تاريخها العلمي المكتوب، بينما يحمل البيت ذاكرة المكان الذي احتضنها وحفظها على مدى عقود طويلة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى النظر إلى هذا الإرث في صورته المتكاملة: كتبًا ومخطوطات، ووثائق ومراسلات، وبيتًا ارتبط بهذه المقتنيات وبحياة أصحابها. فحفظ المحتوى يظل خطوة أساسية، غير أن صون المكان الذي نشأ فيه هذا المحتوى يضيف إلى الحفظ بعدًا آخر، ويمنح الأجيال فرصة لفهم البيئة التي صنعت هذا التراث، والظروف التي أسهمت في بقائه ووصوله إليها.

وجاء صدور فهرس مخطوطات خزانة الشيخ حمد بن سعود الخنجري ليؤكد أن هذا الإرث ما يزال حيًا، وأن محتوياته قادرة على فتح مجالات جديدة أمام الباحثين في التحقيق والدراسة. كما يلفت الفهرس الانتباه إلى مسؤولية أوسع تتمثل في صون الذاكرة المكانية المرتبطة بهذه الخزانة، والحفاظ على البيت ومقتنياته ضمن رؤية ثقافية متكاملة.

فهذا البيت وما ارتبط به من مخطوطات وكتب ووثائق ومراسلات يمثل جزءًا من الذاكرة الثقافية العمانية، وشاهدًا على الدور الذي أدته البيوت العلمية في حفظ المعرفة وصناعة الوعي. ومن هنا تأتي أهمية ترميمه، وتوثيق مقتنياته، ورقمنتها، وإتاحتها للباحثين، في مشروع تتكامل فيه جهود الأسرة والجهات المعنية بالتراث والثقافة والمهتمين بالتاريخ العماني.

وتستحق مثل هذه البيوت أن تُقرأ بوصفها فضاءات ثقافية تحمل قصص العلماء والكتب والمجتمع، ويمكن أن تتحول، مع العناية المناسبة، إلى مراكز للبحث والدراسة أو متاحف ثقافية تعرّف الأجيال بتاريخ العلم في عُمان. ويأتي صدور هذا الفهرس فاتحةً لمرحلة جديدة في التعرف إلى الخزائن العلمية الخاصة، وإعادة قراءة دورها في الحياة الثقافية العمانية. فهذه الخزائن تحفظ آثار العلماء، ومسارات قراءاتهم، وملامح البيئات العلمية التي نشأت فيها.

وحين تُصان هذه الخزائن، وتُدرس محتوياتها، وتُحفظ أماكنها، فإنها تتحول من مقتنيات محفوظة إلى ذاكرة حية للأجيال. فخزانة الشيخ حمد بن سعود الخنجري تقدم مثالًا على أن العلم الذي حفظته بيوت العلماء لا ينتمي إلى الماضي وحده، وإنما يواصل حضوره في الحاضر والمستقبل، بوصفه جزءًا من ذاكرة الوطن ومسيرته الثقافية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z