اليمن.. قصة وطن الحضارة والروح والفن

 

 

 

د. خالد الحمداني

جاءت الرحلة إلى اليمن للبحث عن إجابة لسؤال مهم يتردد منذ أمد بعيد في ذهني حول مهد الحضارة وبلقيس وفكرة سيف بن ذي يزن الملك العربي الشهم الشجاع، كل شيء يأسرك في اليمن يجعلك تشعر بارتباطك الأزلي بمهد العروبة بعدنانيتها وقحطانيتها، اليمن وسردية التاريخ والجغرافيا وارتباط المكان بمشهد ولادة فكرة الإنسانية الأولى.

الدرب إلى لحج وسيون وتريم وصعدة، سحر الحديدة وعدن وجمال صنعاء، الالتقاء برموز مهمة في المشهد اليمني لمساعدتي في فهم لوغاريتمية اليمن والإنسان، وهل المستقبل له علاقة بالماضي والحاضر؟

اليمن أرض الجمال الخالد والتراث الثقافي الغني، اشتهر منذ الأزل بمشهده الفني الرائع والمتجدد، والتعبير الفني يتجلى في كيان كل يمني؛ سواء كان موروثًا من الأصول القبلية الأصيلة، أو ما استلهموه من الثقافات الأخرى التي احتلت أرضهم. وبلا شك فقد لعبت صنعاء وعدن- المدينتان الرئيستان- دورًا مُهمًا في التكوين الحضاري والفني في اليمن، فقد رقصت الحياة الفنية والثقافية في هاتين المدينتين وعبر أنحاء القُطر اليمني على أوتار الإبداع لمئات السنين، وقد قادت أيقوناتها ثورات جليلة وموجات ثقافية مؤثرة. ولم يكن الفن- وتحديدًا الغناء- بعيدًا عن الصراعات السياسية، بل تأثر بها وكان أحيانًا جزءًا منها، ولعل أغنية "نشوان" التي ظهرت في الجنوب وهي من كلمات سلطان الصريمي وألحان وغناء محمد مرشد ناجي، جاءت معبرة عن واقع ومشهد سياسي معقد وأصبحت نشيداً لرفض الظلم والقهر والفساد والطبقية.

يبرُز حسين أبوبكر المحضار كشاعر وملحن غنائي موهوب، تغنَّى بأشعاره كثير من فناني حضرموت واليمن والخليج العربي. ويُعد المحضار مطوِّرًا للأغنية الحضرمية ورافدًا للمدرسة الغنائية الحضرمية في تنافسها الإبداعي مع مدارس الشعر والغناء اليمني الأخرى. وكان من براعة المحضار اعتماد لغته الشعرية على الجناس المقبول ورد العجز على الصدر، ووصلت درجة موهبته أنه كان يستخدم علبة الثقاب (الكبريت) في التلحين؛ لأنه لم يكن يجيد العزف على أية آلة موسيقية أو إيقاعية. وستبقى قصايد المحضار وأغانيه خالدة ومتداولة بين الناس لما تتميز به من سهولة الكلمة وبساطتها وعمق معناها وحكمتها وصلاحيتها لكل الأجيال. وقد تُوفِّي المحضار في 5 فبراير 2000 وجاءت وفاته كضربة موجعة في خاصرة الفن اليمني والعربي.

ومن أزقة المُكلَّا الفقيرة خرج صوت لا يُنسى، صوت كرامة مرسال الذي سيبقى حاضرًا في الذاكرة اليمينة. غنى كرامة للحب والحنين، وغنى للوطن كما لم يغنِّ أحد. صوت حضرمي صافٍ، حمل كلمات حسين المحضار وعبد الرحمن باسلامة وغيرهم، وقدم أغاني رائعة كدعيني أعانق فيل الأمل، وعصا الترحال، ومتيم بالهوى. ورحل مرسال عام 2014 بعد رحلة طويلة من الفن والحياة لكن صوته ظل يملأ المخادر ويرافق الناس في غربتهم.

لا يأتي ذكر الفن في لحج إلّا ويذكر اسم الفنان فيصل علوي، ولا يأتي فيصل إلّا ويدور الحديث عن الفن في لحج. شقَّ فيصل درب نجاحه بكل صبر وباجتهاد كبير حتى غدا أهم رموز الأغنية في لحج واليمن، ذاع صيته في كل أرجاء اليمن وخارجها وأصبح له عشاق وجمهور في كل أرجاء الوطن العربي. ترقى فيصل علوي في مراتب الفن حتى أصبح مرجعاً مهماً للفن القمنداني والدان اللحجي. كان فيصل أو أبو باسل فنانا متفائلا محبا للحياة، مكافحا ونشيطا، وقام بالعديد من الحفلات في مختلف الأقطار العربية وقابل خلالها العديد من عمالقة الفن كفريد الأطرش الذي كان أحبهم إلى قلبه. تُوفِّي أبو باسل في 6 فبراير 2010؛ حيث فقد الفن اليمني إحدى قاماته المبدعة وفقدت لحد ركنًا حضاريًا وفنيًا حيث كان تأثير فيصل أبعد من الفن؛ بل تعداه إلى كل جانب في المجتمع اللحجي.

لقد كان من حُسن حظي الالتقاء بالرموز الثلاثة والتحاور معهم لفهم ماذا يعني اليمن لهم؟ وأين هم من مشهدها الثقافي المعقد، الثلاثة كانوا قمة في الوعي السياسي والثقافي، ناهيك عن قدرتهم الإبداعية في الشعر والغناء. لقد كانت تجربة الحوار تجربة إنسانية عظيمة لي على المستوى الشخصي، تعلمت منها أن سعاد ولحج وتريم والمكلا مدارس راقية خرجت مبدعين وعظماء لم يتسنَ للكثيرين مِنَّا أن يتعلموا منهم معنى الوطن والحب والأمل، ومفردات أخرى عبر عنها الشعر الغنائي اليمني بكافة مدارسه وانتماءاته توصف التغيير والحلم بغد أجمل والذي يتضح جليًا في قصيدة الشاعر اليمني الكبير سلطان الصريمي نشوان والتي اخترنا منها الأبيات التالية:

لاح برق المعنى فوق جبل شمسان

ينقش على الصخر والأحجار والعيدان

نشوان أوصيك لا تهرب ولا تمازح

ولا تفتجع من كثرة المرازح

شق الطريق وظهر الملامح

حتى تعانق صبحنا تصافح

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z