عبيدلي العبيدلي
صناعة المحتوى الرقمي العربي: التحديات والفرص
مقدمة
بخلاف ما يتوهم البعض منا، لم يعد المحتوى الرقمي مجرد انتشار إلكتروني للنص والصورة والصوت، بل تحولت قيمته كي يصبح أحد المكونات الأساسية للاقتصاد العالمي الجديد. فالمعرفة والإعلام والتعليم والترفيه والتسويق والتجارة والثقافة والسياحة والصحة والخدمات الحكومية والذكاء الاصطناعي باتت جميعها تعتمد، بدرجات متفاوتة، وأشكال مختلفة، على إنتاج المحتوى الرقمي، وتنظيمه، وإدارته، وتحويله، إلى قيمة معرفية أو تجارية أو اجتماعية.
على نحو موازٍ، تنبع أهمية المحتوى الرقمي العربي من مفارقة أساسية: فكما هو معروف تحتل اللغة العربية مكانة متقدمة أمام اللغات الحية الأخرى؛ فهي من أكثر لغات العالم انتشارًا، إذ يتحدث بها أكثر من 450 مليون شخص، إلا أن حضورها الرقمي لا يزال أدنى بكثير من وزنها السكاني والثقافي والاقتصادي. وتشير اليونسكو إلى أن المحتوى العربي يمثل نحو 3% من المحتوى الرقمي العالمي وفق تعريفها الواسع للمحتوى الرقمي، بينما تشير بيانات W3Techs في يوليو 2026 إلى أن العربية مستخدمة في نحو 0.6% فقط من المواقع التي يمكن تحديد لغة محتواها، ولا يمثل الرقمان تناقضًا بالضرورة؛ فبينما يتناول الأول مفهومًا واسعًا للمحتوى الرقمي يشمل أشكالًا متعددة، يقيس الثاني لغة المحتوى في مواقع الويب التي ترصدها المنصة.
وفي مقابل هذه الفجوة، توجد سوق عربية واعدة؛ فالاتصال بالإنترنت في الدول العربية أصبح واسعًا، ويقدر الاتحاد الدولي للاتصالات نسبة مستخدمي الإنترنت في المنطقة العربية بنحو 70% في 2025. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هناك 308–310 ملايين شخص يستخدمون الإنترنت عبر الهاتف المحمول في 2024، وفقGSMA . كما تتوقع بعض المصادر الأخرى، أن تصل إيرادات سوق الإعلام والترفيه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى نحو 18 مليار دولار بحلول 2028، وأن ترتفع حصة الإيرادات الرقمية من السوق إلى 74%.
وعليه، فإن قضية المحتوى الرقمي العربي لا ينبغي النظر إليها بوصفها قضية لغوية أو ثقافية فحسب، وإنما بوصفها فرصة اقتصادية وصناعية واستراتيجية. والسؤال الحقيقي لم يعد: كيف نرفع نسبة المحتوى العربي على الإنترنت؟ بل: كيف نبني صناعة عربية مستدامة للمحتوى قادرة على إنتاج المعرفة، وتوليد الوظائف، وتطوير الملكية الفكرية، وبناء الشركات والمنصات، والتصدير إلى الأسواق العالمية؟
مفهوم المحتوى الرقمي
المحتوى الرقمي هو كل مادة معرفية أو إعلامية أو ثقافية أو تعليمية أو ترفيهية أو تجارية تُنتَج أصلًا بصيغة رقمية، أو تُحوّل من شكل مادي أو تناظري إلى صيغة رقمية، بحيث يمكن تخزينها ومعالجتها ونسخها واسترجاعها ونقلها وتوزيعها والوصول إليها بواسطة الأجهزة والشبكات الرقمية.
وقد تعاملت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا" منذ وقت مبكر مع المحتوى الرقمي العربي باعتباره صناعة تتداخل فيها قطاعات الإعلام والثقافة والإبداع وتقنية المعلومات، ولا تقتصر على مجرد رقمنة المواد التقليدية.
وبهذا المعنى، فإنَّ المقال المنشور إلكترونيًا محتوى رقمي، والفيديو والبودكاست والكتاب الإلكتروني والصورة الرقمية واللعبة الإلكترونية والدورة التدريبية وقاعدة البيانات والخريطة التفاعلية والتطبيق والمحتوى الذي تنتجه منصات الذكاء الاصطناعي كلها أشكال مختلفة من المحتوى الرقمي.
غير أن التعريف الصناعي للمحتوى أكثر أهمية من تعريفه التقني. فالمحتوى لا يصبح صناعة بمجرد إنتاج ملفات رقمية، وإنما عندما تتكون حوله سلسلة قيمة اقتصادية تضم صاحب الفكرة، والباحث، والكاتب، والمحرر، والمصور، والمصمم، والمبرمج، والمنتج، وصاحب المنصة، والمسوق، والمعلن، ومقدم خدمات الدفع، ومدير حقوق الملكية الفكرية، وشركات تحليل البيانات والتوزيع.
لذلك يمكن القول إن صناعة المحتوى الرقمي هي: منظومة اقتصادية متكاملة تقوم على إنتاج الأصول الفكرية والثقافية والمعرفية بصيغ رقمية، وإدارتها وحمايتها وتوزيعها وتسويقها وتحقيق قيمة تجارية أو اجتماعية منها.
ثانيًا: مكونات المحتوى الرقمي
يمكن النظر إلى المحتوى الرقمي من زاويتين متكاملتين: زاوية الشكل، وزاوية الوظيفة.
من حيث الشكل، يشمل النصوص الرقمية، والكتب والصحف والمجلات الإلكترونية، والصور والرسوم والإنفوغرافيك، والملفات الصوتية والبودكاست والموسيقى، والفيديو والأفلام والبث المباشر، والألعاب الإلكترونية، والواقع الافتراضي والمعزز، والتطبيقات التفاعلية، وقواعد البيانات والموسوعات الرقمية، والمنصات التعليمية، والمحتوى الذي ينتجه المستخدمون، والمحتوى الذي تنتجه أو تساعد في إنتاجه أنظمة الذكاء الاصطناعي.
أما وظيفيًا، فيمكن تقسيمه إلى محتوى معرفي وتعليمي، ومحتوى إعلامي وصحافي، ومحتوى ثقافي وتراثي، ومحتوى تجاري وتسويقي، ومحتوى ترفيهي، ومحتوى علمي وتقني، ومحتوى صحي، ومحتوى حكومي وخدمي، ومحتوى سياحي، ومحتوى اجتماعي، إضافة إلى البيانات المنظمة التي أصبحت تمثل الوقود الأساسي لأنظمة التحليل والذكاء الاصطناعي.
وهنا ينبغي التمييز بين المحتوى والمنتج الرقمي؛ فالمقال محتوى، لكن منصة تجمع المقالات وتبيع اشتراكًا للوصول إليها منتج رقمي. والدورة التعليمية محتوى، بينما المنصة التي تدير التعلم والاختبارات والمدفوعات والشهادات تمثل منتجًا وخدمة رقمية. والبيانات محتوى، لكن النموذج اللغوي المدرب عليها منتج تقني قابل للترخيص والتصدير.
وهذا التمييز ضروري إذا كان الهدف هو الانتقال من «إنتاج محتوى عربي» إلى صناعة محتوى عربي.
ثالثًا: تاريخ نشأة المحتوى الرقمي عالميًا
لم تبدأ صناعة المحتوى الرقمي مع وسائل التواصل الاجتماعي، بل مرت بمراحل تاريخية متراكمة.
يمكن رد البدايات إلى تطور شبكات الحاسوب وتبادل المعلومات في ستينيات القرن العشرين، ثم إلى مشروع ARPANET الذي بدأ تشغيله في 1969، وما تبعه من تطور بروتوكولات الإنترنت وشبكات الاتصال المفتوحة.
وفي 1971 أطلق مايكل هارت مشروع Gutenberg، الذي أصبح أحد أقدم مشروعات الكتب الإلكترونية، ويربط المشروع نفسه بدايته بإنشاء أول كتاب إلكتروني في 4 يوليو 1971 [3]. وقد مثّل ذلك تحولًا مبكرًا من فكرة استخدام الحاسوب للحساب والمعالجة إلى استخدامه أيضًا لحفظ وتوزيع المعرفة والنصوص.
وجاء التحول الأكبر مع اختراع Berners-Lee at CERN the World Wide Web in 1989. وبحلول نهاية 1990 أصبح أول خادم ومتصفح للويب جاهزين، ثم نشر برنامج الويب في 1991، قبل أن يتيح CERN تقنيته للعامة دون رسوم في 1993. ومن هنا بدأ الانتقال التدريجي من الإنترنت بوصفه شبكة اتصال متخصصة إلى فضاء عالمي للنشر والتجارة والثقافة والتعليم والإعلام.
وفي النصف الثاني من التسعينيات ظهرت محركات البحث والمواقع الإخبارية والتجارة الإلكترونية والبوابات الرقمية. ثم شهدت بداية الألفية الثانية صعود المدونات والمنتديات والموسوعات التشاركية. ومن منتصف العقد الأول للألفية تحولت شبكة الإنترنت تدريجيًا من Web 1.0، التي كان المستخدم فيها مستهلكًا في الأغلب، إلى Web 2.0، حيث أصبح المستخدم منتجًا وناشرًا للمحتوى.
وأدى انتشار الهواتف الذكية وشبكات الجيلين الرابع والخامس إلى مرحلة ثالثة أصبح فيها الفيديو القصير، والبث المباشر، والألعاب، والبودكاست، والتجارة الاجتماعية، والمؤثرون، والمحتوى الذي ينتجه المستخدم، عناصر مركزية في الاقتصاد الرقمي.
أما المرحلة الحالية، التي بدأت بوضوح في عشرينيات القرن الحادي والعشرين، فهي مرحلة المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ حيث لم تعد التكنولوجيا وسيلة لنشر المحتوى فقط، وإنما أصبحت تشارك في كتابته وترجمته وتصميمه وتحريره وفهرسته وتخصيصه وإعادة إنتاجه.
