قراءة في مرايا المعري وبشار.. شهوة التآله وسقوط الأقنعة

 

 

محمد عمار عيسى

في عمق التاريخ الأدبي والفلسفي العربي، تظل قضية النفاق الفكري وشهوة الأضواء والزعامات الزائفة واحدةً من أكثر المعضلات الإنسانية تفكيكًا ونقدًا.

ولعلَّ المتأمل في مسارات النفس البشرية يجد تجسيدًا حيًّا لسقوطها الأخلاقي عندما تُقايض المبادئ السامية بالمكاسب الآنية، وهو ما يتجاوز مجرد المداهنة السياسية أو الاجتماعية العابرة؛ ليُلامس مرضًا نفسيًا وفكريًا أعمق: إنه "شهوة التآله وارتداء أقنعة القداسة والمثالية طمعًا في بناء صروح وهمية من النفوذ والسيطرة الفكرية، مستغلةً في ذلك بيئةً خصبةً من التبعية العمياء والقطيع الآبائي الذي يسير بلا وعي خلف الأوثان البشرية.

إذا تتبعنا الرمزية التاريخية، نجد في نموذج الشاعر "بشار بن برد" مثالًا صارخًا لمن أحرق أصالة موهبته ونقاءه الفكري في أتون مدح القوى العابرة، متنازلًا عن قناعاته طمعًا في الحظوة والتقرب ومجاراة نار الطغيان. ولا يختلف عن ذلك مسلك "الفضل بن الربيع" ومن سار على دربه، ممن اتخذوا من تزييف المواقف والعبادات وسيلةً لارتقاء منصات الضوء وسدة النفوذ. إن هذا السلوك يعكس رغبةً دفينةً في اعتلاء مرتبة فوق بشرية، مستندين إلى عقول استمرأت "الآبائية" واعتادت السير خلف الموروث دون تمحيص، متناسين أن المجد المبني على الأقنعة وتغييب الوعي هو مجد صوري وهش، سرعان ما ينهار كصرح نمرودي أو مجد فرعوني زائف تأسس على وهم التآله البشري والغرور الأعمى أمام أول اختبار حقيقي للمبادئ.

إن "شهوة التآله" هذه لم تعد حبيسة كتب التاريخ أو قصور السلاطين الغابرة، بل باتت تتمدد اليوم في عصرنا الرقمي عبر فضاءات "السوشيال ميديا" وعصر "التريند". نرى اليوم بعض المثقفين وصناع الرأي والمؤثرين يمارسون شعبويةً رقميةً تهدف إلى تنصيب أنفسهم آلهةً فكريةً وأوصياء على عقول الجماهير، مستفيدين من عودة "القطيع الآبائي" بثوب حداثي، حيث يُلغي المتابعون عقولهم طواعيةً؛ ليذوبوا في "التبعية العمياء" لزعامات افتراضية جديدة. يرتدون أقنعة النقاء المطلق والكمال الأخلاقي، ويبيعون جوهرهم وصوتهم الحقيقي من أجل حشد التابعين واستجداء الإعجابات التي تغذي تآلههم الافتراضي، ممارسين أبشع صور التلون لمواكبة موجات الرأي العام العابرة؛ لحماية عروشهم الوهمية.

وهنا يبرز التشخيص العبقري لمؤسس علم الاجتماع ابن خلدون في مقدمته حين قال: "الجمهور لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عما يرضي أوهامه."؛ وهو التوصيف الدقيق لحالة الارتباط الشرطي بين المتآله المزيف وقطيعه؛ فالأول لا يقدم وعيًا، بل يبيع للجماهير الأوهام التي تدغدغ عواطفها، والقطيع بدوره يمنحه صك التآله والشعبوية مقابل تزييف الحقيقة وتبرير السائد.

وتكمن المأساة الحقيقية في "لحظة الانكشاف" وصدمة التخلي؛ حيث يلتفت هذا المتآله المزيف، في عز سقوطه أو تبدل خوارزميات المصالح، مستجديًا وفاء تلك القوى أو الجماهير التي تقرب إليها، ليفاجأ بأنها ترفضه وتلفظه، مستهزئةً بتنازلاته الزائفة. فالمنظومات القائمة على الزيف، سواء كانت سلطةً تاريخيةً غاشمةً أو جماهير رقمية متقلبة، لا تبني وفاءً مع من يبيع نفسه، بل تستخدم هؤلاء المنافقين أدواتٍ مؤقتةً، وتلقي بهم في قاع النسيان بمجرد انتهاء صلاحيتهم، بعد أن ينفض عنهم قطيع التبعية العمياء؛ للبحث عن وثن آخر، وكأن لسان حال تلك المنظومة يبصق في وجوههم قائلًا: "أنا كائن ناري لا أحتاج لوضوئك الزائف".

وهنا تبرز عبقرية ورؤية الفيلسوف والشاعر "أبي العلاء المعري" (رهين المحبسين)، الذي انتبه مبكرًا لخطورة هذه الشهوة القاتلة وجناية "الآبائية والتبعية" على العقل البشري، فاختار العزلة والابتعاد التام عن بريق السلطة وصخب الزعامات الزائفة. لقد كان المعري النقيض الصارم لشهوة التآله والنفاق؛ إذ حارب في "لزومياته" و"رسالة الغفران" عقلية القطيع، وهاجم نفاق المجتمع وتلون القناعات، مؤثرًا نقاء ذاته وحريته الفكرية على البقاء تحت الأضواء الشعبوية. واليوم، نحن بأشد الحاجة إلى العودة إلى طرح المعري؛ لنعلم أن التحرر من التبعية العمياء ومقاومة شهوة التسامي الزائف على البشر بالخداع والنفاق هما الطريق الوحيد للنجاة من الانطفاء والنبذ في عتمة التاريخ.

إن الدرس الفلسفي الذي نستلهمه يمس واقعنا المعاصر مباشرةً: من باع جوهره، واستغل قطيع التبعية، وحبس ذاته في قيود الشعبوية و"شهوة التآله" الزائفة، ستنحسر عنه الأضواء حتمًا، ليموت معنويًا ومجازيًا في قاع الظلام. فالمجد الحقيقي لا يُصنع بارتداء أقنعة التآله الكاذبة، ولا بجمع الأتباع المغيبين، بل بالثبات على قيم الحق، والنقاء الأخلاقي، وحرية العقل الأصيلة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z