قانونيون وأصحاب أعمال يحذرون من سياسة "العقاب الجماعي" وتأثيرها على سوق العمل

الحظر الشامل للسجلات التجارية يُهدد بيئة الاستثمار!

 

 

الجهوري: الأصل قانونا استقلال كل شركة بذمتها وشخصيتها الاعتبارية

اللواتي: يجب تحقيق التوازن بين إنفاذ القانون والحفاظ على جاذبية البيئة الاستثمارية

السعيدي: حظر جميع السجلات قد يحوّل المخالفة المحدودة إلى أثر اقتصادي أوسع

الشيدي: العقوبة يجب أن ترتبط بالنشاط المخالف ولا تمتد إلى بقية الأنشطة

يجب إيجاد آلية سريعة وفعالة للاعتراض والتظلم

قوة التشريع لا تقاس بشدة العقوبة وإنما بمدى عدالتها وتناسبها مع المخالفة

تطبيق الحظر الشامل قد يؤدي إلى تعثر منشآت أخرى ملتزمة بالقوانين

الانضباط في سوق العمل لا يتعارض مع توفير بيئة مستقرة وجاذبة للاستثمار

 

الرؤية- ريم الحامدية

أكد قانونيون ورجال أعمال أنَّ قرار وزارة العمل بفرض حظر على السجلات التجارية بصورة شاملة في حال وجود مخالفة في أحد الأنشطة المملوكة لنفس الشخص، يهدد بيئة الاستثمار وقد يدفع المستثمرين إلى العزوف عن التوسع في الأنشطة.

وأضافوا -في تصريحات لـ"الرؤية"- أن هذا القرار يُؤثر على الأنشطة التجارية الملتزمة بالقوانين واللوائح والإجراءات، ويجعلها عرضة للتعثر وعدم الالتزام بدفع الرواتب، مطالبين بضرورة إيجاد أدوات تنظيمية أكثر مرونة وتدرجا تضمن إنفاذ القانون دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي المستمر.

وقال الدكتور أحمد الجهوري، المحامي والمستشار القانوني، إن امتداد الحظر من المنشأة المخالفة إلى بقية السجلات التجارية المملوكة لصاحب الأعمال نفسه يثير عددا من التساؤلات القانونية، من أبرزها حدود المسؤولية القانونية، ومدى استقلال الشركات، والآليات المتاحة للاعتراض على القرار، خصوصا عندما يمتد أثره إلى منشآت لم ترتكب أي مخالفة، موضحا أن الأصل قانونا هو عدم امتداد العقوبة الإدارية المقررة على إحدى المنشآت إلى بقية السجلات التجارية الملتزمة المملوكة للشخص نفسه، وأن الشركات تتمتع وفقا لأحكام قانون الشركات بذمة مالية وإدارية مستقلة وشخصية اعتبارية منفصلة.

د.أحمد الجهوري.jpg
 

وأشار إلى أن ذلك لا يعني بالضرورة عدم وجود حالات يمكن أن يترتب فيها على بعض الوقائع المرتبطة بالشريك أثر قانوني يمتد إلى شركة أخرى، موضحاً أن من الأمثلة على ذلك إشهار إفلاس الشريك وما قد يترتب عليه من عدم جواز مباشرته للأعمال التجارية، وقد يظهر أثر ذلك بصورة خاصة في شركات الأشخاص، مثل شركات التضامن والتوصية البسيطة، بحسب طبيعة كل حالة.

وبيّن الجهوري أن المشرّع رتب في بعض الحالات آثاراً قانونية تمتد إلى الشريك أو إلى الشركات المرتبطة به، لاسيما في شركات الأشخاص التي تقوم على الاعتبار الشخصي والثقة المتبادلة بين الشركاء، إلا أنَّ الأصل يظل قائماً على استقلال كل شركة بذمتها وشخصيتها الاعتبارية.

وفيما يتعلق بالآليات القانونية المتاحة لصاحب الأعمال للاعتراض على قرار الحظر الشامل، أوضح الجهوري أن الطريق القانوني يختلف بحسب طبيعة الحظر، وما إذا كان قد صدر بقرار إداري أو ترتب على حكم قضائي.

وقال إنه إذا صدر الحظر بموجب قرار إداري، فإنِّه يتعين على صاحب الشأن التظلم من القرار بعد إخطاره به، وفي حال رفض التظلم أو عدم الرد عليه خلال المدة المحددة قانوناً، يكون للمتظلم الحق في إقامة دعوى أمام محكمة القضاء الإداري، طالباً إلغاء القرار محل التظلم.

وأضاف المحامي والمستشار القانوني أنه إذا كان الحظر مترتباً على حكم تجاري أو جزائي، فإنه على صاحب الشأن سلوك طرق التقاضي المقررة قانوناً، سواء من خلال الاستئناف أو الطعن أمام المحكمة المختصة، بحسب الحالة، سعياً إلى إلغاء الحكم أو وقف تنفيذه والحد من آثاره على الكيان التجاري.

وأكد الجهوري أن صاحب الشأن في جميع الأحوال مطالب بإثبات عدم مشروعية القرار أو الحكم محل الاعتراض، إلى جانب تقديم ما يثبت الضرر الجسيم الذي لحق به نتيجة تطبيق الحظر، خصوصاً إذا امتد أثره إلى أنشطة أو منشآت ملتزمة لم ترتكب المخالفة.

وأشار الجهوري إلى أن وجود أشخاص يحاولون التنصل من التزاماتهم القانونية أو إساءة استخدام الشخصية الاعتبارية للشركات أمر وارد، ولذلك لا يمكن للمشرّع تجاهل احتمالات التحايل أو استخدام تعدد الشركات والسجلات التجارية للتهرب من الالتزامات.

كما أكد أن المشرّع يحرص على توفير بيئة استثمارية مستقرة، وحماية المستثمرين ورؤوس أموالهم، وتشجيع النشاط الاقتصادي، وهو ما يظهر في القوانين المنظمة للشركات والاستثمار والأنشطة الاقتصادية والتجارية، مبيناً أنَّ الإشكالية قد تظهر في بعض الأحيان عند تطبيق النصوص أو الإجراءات التنظيمية، عندما يمتد أثرها إلى مستثمر أو منشأة ملتزمة لم ترتكب المخالفة من الأساس. كما شدَّد على ضرورة تحقيق التوازن بين تمكين الإدارة من مواجهة المخالفات ومنع التحايل، وبين عدم تحميل الغير أو الأشخاص الاعتبارية المستقلة نتائج أفعال لم تصدر عنهم.

ولفت الجهوري إلى أنَّ المسؤولية لا تقع كاملة على المشرّع أو الجهة الإدارية، إذ يتحمل المستثمر نفسه جانباً من المسؤولية من خلال رفع مستوى وعيه القانوني وبذل العناية الواجبة قبل الدخول في أي مشروع أو شراكة استثمارية.

وأوضح أن بعض المستثمرين قد يدخلون في شركات أو اتفاقيات استثمارية دون دراسة المركز القانوني للشركة أو التحقق من التزاماتها العمالية والمالية، أو الاطلاع على القيود والجزاءات المرتبطة بنشاطها، أو وضع ضمانات تعاقدية كافية لحماية حقوقهم.

وأضاف أن المستثمر قد يكتشف لاحقاً أنه أصبح أمام مخاطر قانونية ومالية كان من الممكن تجنب جانب كبير منها من خلال إجراء الفحص القانوني المسبق ودراسة الوضع القانوني والمالي والتشغيلي للشركة قبل الدخول في الشراكة.

وأكد الجهوري أن حماية سوق العمل واستقرار الاستثمار لا يمثلان غايتين متعارضتين، وإنما يتطلب تحقيقهما تطبيق الإجراءات التنظيمية في حدودها القانونية، مع رفع مستوى الوعي لدى المستثمرين وتشجيعهم على دراسة أوضاع الشركات والتزاماتها قبل الدخول فيها، بما يضمن حماية حقوق العمال وتعزيز الالتزام بالقانون، دون الإضرار بالمنشآت والاستثمارات الملتزمة.

من جانبه، أكد الدكتور حيدر اللواتي، الكاتب في الشؤون الاقتصادية، أن قرار وزارة العمل في سلطنة عُمان بفرض الحظر على جميع السجلات التجارية المملوكة لصاحب الأعمال في حال وجود ملاحظات أو مخالفات في أحد السجلات، من شأنه أن يؤثر في البيئة الاستثمارية وتدفق رؤوس الأموال مستقبلاً، خصوصا بالنسبة للمستثمرين الذين يديرون أنشطة متعددة في قطاعات مختلفة.

د.حيدر اللواتي.jpeg
 

وأوضح اللواتي أن الحظر الشامل قد يسهم في تعزيز الانضباط في سوق العمل وتصحيح أوضاع العمالة، بما في ذلك الالتزام بمتطلبات التعمين، إلا أن تطبيقه بصورة تلقائية على جميع السجلات التجارية قد يحمّل المستثمر خسائر ناجمة عن مخالفة في سجل واحد، ويرفع في الوقت ذاته مستوى المخاطر التنظيمية التي تواجه المؤسسة، الأمر الذي قد ينعكس على قرارات التوسع والاستثمار وتدفق رؤوس الأموال.

وأكد أنَّ المرحلة الحالية، في ظل أهداف رؤية عُمان 2040 الرامية إلى جذب الاستثمارات وتنويع الاقتصاد، تتطلب تحقيق توازن بين حماية حقوق العمال وإنفاذ قانون العمل من جهة، والحفاظ على جاذبية البيئة الاستثمارية وقابلية التنبؤ بالتشريعات والقرارات التنظيمية من جهة أخرى.

وبين اللواتي إن المبدأ الاقتصادي الأساسي يتمثل في إمكانية معاقبة صاحب العمل على المخالفة، لكن لا ينبغي أن تمتد العقوبة إلى الاستثمار السليم في جميع الأنشطة، مشيراً إلى أن ارتباط العقوبة بحجم المخالفة ونطاقها يعزز فاعلية الرقابة دون خلق مخاطر إضافية وغير ضرورية أمام المستثمرين.

وبيّن اللواتي أنه إذا كان المقصود بالقرار أن وجود ملاحظة أو مخالفة على سجل تجاري واحد يؤدي إلى إيقاف أو حظر التعاملات المتعلقة بجميع السجلات التجارية الأخرى المملوكة للشخص نفسه، فإن ذلك قد يترتب عليه عدد من الآثار الاقتصادية السلبية، رغم أن الهدف الأساسي من الإجراء يتمثل في تعزيز الالتزام بأحكام قانون العمل.

وأشار إلى أن قانون العمل العُماني يمنح الوزارة، بالتنسيق مع الجهات المختصة، صلاحية ربط المخالفات المقيدة ضد أصحاب العمل بسجل التزامات تلك الجهات وإيقاف الخدمات عنهم إلى حين زوال المخالفات، كما يجيز للوزير فرض جزاءات إدارية على المخالفات.

وأوضح أن الفرق الاقتصادي المهم يكمن في التمييز بين إيقاف المنشأة المخالفة نفسها وبين امتداد الجزاء إلى جميع السجلات التجارية المملوكة للشخص، مؤكداً أن هذا الفرق يكتسب أهمية أكبر عندما يكون المستثمر مالكاً لعدة شركات أو سجلات تعمل في أنشطة مختلفة.

وأضاف أن المستثمر قد يمتلك، على سبيل المثال، أنشطة في قطاعات المقاولات والتجارة والخدمات اللوجستية وغيرها من الأنشطة الاستثمارية، وفي حال ارتكبت إحدى منشآته مخالفة عمالية، فإن امتداد أثرها إلى بقية الأنشطة قد يؤدي إلى تأجيل قرارات التوسع في الأعمال التجارية.

وأشار اللواتي إلى أن مثل هذه الإجراءات قد تؤدي كذلك إلى زيادة تكلفة إدارة المخاطر والامتثال بالنسبة للمؤسسات، وقد تدفع بعض المستثمرين إلى الإحجام عن إنشاء شركات متعددة الأنشطة، إلى جانب احتمال ارتفاع تكلفة التمويل والتأمين لبعض المشروعات، والتأثير في مستوى ثقة المستثمر المحلي والأجنبي باستقرار البيئة التنظيمية.

وأوضح أن القرارات ذات الآثار الشاملة قد تنعكس أيضاً على تدفقات رؤوس الأموال، التي تبحث بطبيعتها عن البيئات المستقرة والقابلة للتنبؤ، مبيناً أن المستثمر عندما يعلم بأن مخالفة في شركة واحدة يمكن أن تؤثر في شركات أخرى مستقلة عنه من الناحية التشغيلية، فقد ينظر إلى الاستثمار في السلطنة باعتباره ينطوي على مستوى إضافي من المخاطر التنظيمية.

وأكد اللواتي أن المطلوب من الناحيتين الاقتصادية والقانونية هو أن تكون العقوبة متناسبة مع طبيعة المخالفة وحجمها، موضحاً أنه إذا كانت المخالفة تخص شركة معينة، فمن المنطقي في الأصل أن تتركز الإجراءات التصحيحية والجزاءات على تلك الشركة، مع تشديد العقوبة في حال كانت المخالفة جسيمة أو متكررة أو مرتبطة بممارسات تحايلية.

وقال إن انتقال العقوبة تلقائياً إلى شركات أخرى مستقلة لا علاقة لها بالمخالفة قد يؤدي إلى معاقبة نشاط ملتزم بسبب مخالفة ارتكبها نشاط آخر، وهو ما قد يتعارض مع أحد المبادئ المهمة في التنظيم الاقتصادي، والمتمثل في أن تستند الإجراءات الحكومية إلى درجة المخاطر الفعلية وطبيعة المخالفة.

وشدد اللواتي على أن الحديث عن آثار الحظر الشامل لا يعني التقليل من أهمية الإجراءات التنظيمية التي تتخذها وزارة العمل، مبيناً أن للوزارة مصلحة مشروعة في منع أصحاب الأعمال من استغلال تعدد السجلات التجارية للتحايل على أنظمة العمل أو نقل العمالة والمخالفات من شركة إلى أخرى.

وأوضح أن القانون يتيح بالفعل ربط المخالفات وإيقاف الخدمات إلى حين إزالة المخالفة، إلا أنه يرى أن تطبيق الحظر الشامل على المستثمر الذي يمتلك سجلات تجارية متعددة يحتاج إلى معالجة أكثر دقة، بحيث لا يتساوى صاحب المخالفة البسيطة مع من يرتكب مخالفات جسيمة أو متكررة.

واقترح اللواتي تطبيق نظام عقوبات تدريجية قائم على المخاطر، بحيث تختلف الجزاءات بحسب تصنيف المخالفة إلى بسيطة أو متوسطة أو جسيمة، وكذلك بحسب تكرارها وطبيعتها، مع تحديد العقوبة التي تتناسب مع حجم المخالفة وأهميتها.

وأشار اللواتي إلى أهمية وجود آلية سريعة وفعالة للاعتراض والتظلم، تتيح للمستثمر إثبات استقلال الشركات أو السجلات الأخرى وعدم ارتباطها بالمخالفة محل الإجراء، مؤكداً أن هذه الآلية يمكن أن تسهم في تحقيق التوازن بين حق الجهات التنظيمية في إنفاذ القانون وحق المستثمر في حماية أنشطته الملتزمة.

ولفت إلى أن وزارة العمل توفر آليات للشكاوى والتسويات وإغلاق الشكاوى عند التوصل إلى تسوية بين الأطراف، معتبراً أن ذلك يؤكد أهمية المعالجة التفصيلية لكل مخالفة بدلاً من التعامل مع جميع الحالات بأسلوب واحد.

وأكد اللواتي أن تحقيق الانضباط في سوق العمل وحماية حقوق العمال يمثلان هدفين أساسيين، إلا أن تحقيقهما ينبغي أن يترافق مع الحفاظ على استقرار البيئة الاستثمارية، بحيث تستهدف العقوبة المخالفة ومصدرها دون أن تمتد آثارها تلقائياً إلى أنشطة أخرى ملتزمة، بما يعزز الثقة في البيئة التنظيمية ويدعم أهداف السلطنة في جذب الاستثمار وتنويع الاقتصاد.

وذكر المهندس سيف السعيدي، نائب رئيس اللجنة الاقتصادية بغرفة تجارة وصناعة البريمي، أن القطاع الخاص يؤيد تطبيق القانون ومعالجة أي مخالفة، إلا أنه من المهم أن تكون العقوبة مرتبطة بالسجل التجاري أو النشاط محل المخالفة، بما يضمن تحقيق أهداف التنظيم دون الإضرار بالأنشطة الملتزمة.

المهندس سيف السعيدي.jpeg
 

وأوضح السعيدي أن حظر جميع السجلات التجارية المملوكة لصاحب العمل قد يؤدي إلى تعطيل أنشطة أخرى لا علاقة لها بالمخالفة، بما ينعكس على العقود والعملاء والموظفين، وقد يحوّل مخالفة محدودة في نطاقها إلى أثر اقتصادي يتجاوز حجمها وطبيعتها.

وأشار إلى أن أي توقف شامل يفرض ضغوطاً مباشرة على التدفقات النقدية للمنشأة، مبيناً أن الالتزامات التشغيلية تظل قائمة حتى في حال تعطل المعاملات، بما في ذلك الرواتب ومستحقات الموردين والالتزامات التعاقدية وغيرها.

وأكد السعيدي أن التدرج في الإجراءات، ومنح المنشأة فرصة واضحة لتصحيح المخالفة، يمكن أن يحقق الهدف الرقابي والتنظيمي، دون الإضرار بالسجلات السليمة أو العاملين والمتعاملين معها.

وأضاف السعيدي أن رائد الأعمال يحتاج إلى بيئة تشريعية واقتصادية تشجعه على التوسع وتنويع أنشطته، مشيراً إلى أن ربط جميع مشروعاته من ناحية العقوبة قد يدفعه إلى التحفظ في قرارات التوسع، أو إعادة هيكلة ملكية مشروعاته بهدف تقليل المخاطر المرتبطة بتعدد الأنشطة.

وقال السعيدي إن المنظومة الاقتصادية ينبغي أن تكون محفزة للنمو والاستثمار، بالتوازي مع تطبيق المحاسبة الدقيقة والمتناسبة على كل نشاط بحسب طبيعة المخالفة المرتكبة فيه، موضحاً أن حماية الاستثمارات القائمة وتشجيع التوسع لا يتعارضان مع تنظيم سوق العمل وفرض الالتزام بالقوانين.

وأوضح السعيدي أن تجربته واطلاعه على واقع الأعمال يؤكدان أن قوة التشريع لا تقاس بشدة العقوبة وحدها، وإنما بمدى عدالتها وتناسبها مع المخالفة.

وأكد أن حماية سوق العمل هدف يتفق عليه الجميع، إلا أن ذلك يجب أن يترافق مع حماية المنشآت الملتزمة وضمان استمراريتها، لافتاً إلى أن استقرار هذه المنشآت يعني في المقابل استقرار الوظائف والاستثمارات والعلاقات التجارية المرتبطة بها.

وشدد السعيدي على أن تحقيق التوازن بين إنفاذ القانون وحماية النشاط الاقتصادي المشروع من شأنه أن يعزز الثقة لدى رواد الأعمال والمستثمرين، ويدعم استدامة القطاع الخاص، بما يحقق أهداف التنظيم دون تحميل المنشآت الملتزمة آثار مخالفات لا علاقة لها بها.

وفي السياق، قال أحمد الشيدي، رجل أعمال، إن تطبيق الجزاءات التنظيمية بصورة شاملة على جميع السجلات التجارية المرتبطة بشخص واحد، لمجرد وجود مخالفة في أحد السجلات، قد يترتب عليه آثار اقتصادية وتشغيلية تتجاوز المنشأة المخالفة إلى منشآت أخرى ملتزمة لا علاقة لها بالمخالفة.

وأوضح الشيدي أن الإشكالية الأساسية تكمن في انتقال أثر المخالفة من السجل الذي وقعت فيه إلى سجلات تجارية أخرى مستقلة في أنشطتها وعمالها وعقودها والتزاماتها، مؤكداً أن الجزاء ينبغي أن يرتبط بمحل المخالفة وأن تكون هناك علاقة مباشرة بين المخالفة والعقوبة، بحيث لا تتحول المخالفة في سجل تجاري إلى وسيلة لتعطيل جميع الأنشطة الاقتصادية للشخص.

وأضاف أن المنشأة التجارية ليست مجرد سجل تجاري أو وثيقة ورقية، وإنما منظومة اقتصادية متكاملة تضم عمالاً ورواتب وإيجارات وقروضاً وموردين وعقوداً وفواتير والتزامات تشغيلية يومية، مشيراً إلى أن إيقاف السجلات السليمة قد يؤدي إلى توقف خطوط الإنتاج وتعطيل عمليات التوريد والإخلال بالعقود المبرمة مع العملاء، فضلاً عن تحمل غرامات وتعويضات، رغم عدم ارتكاب المنشأة ذاتها للمخالفة.

وبيّن أن توقف المنشأة الملتزمة عن العمل قد يؤدي كذلك إلى انقطاع التدفقات النقدية، بما ينعكس على قدرتها على دفع أجور العاملين وسداد مستحقات الموردين وأقساط التمويل والإيجارات وفواتير الكهرباء وغيرها من الالتزامات الحكومية والتشغيلية.

وأكد أن النتيجة قد تأتي عكس الهدف من الجزاء؛ فبدلاً من معالجة المخالفة وردعها، قد يؤدي الإجراء إلى دفع منشأة أخرى ملتزمة نحو التعثر، ليمتد الضرر إلى العمالة والموردين والعملاء والقطاع المصرفي والاقتصاد المحلي، موضحاً أن العقوبة التي تؤدي إلى إضعاف منشأة ملتزمة وإجبارها على التوقف قد تكون تكلفتها الاقتصادية أكبر من المخالفة الأصلية.

وأشار الشيدي إلى أن أثر شمول العقوبة لا يقتصر على الجوانب التشغيلية والمالية، بل يمتد إلى بيئة الاستثمار، مبيناً أن القطاع الخاص يحتاج إلى بيئة تشريعية مستقرة تمنح المستثمر القدرة على التنبؤ بالمخاطر واتخاذ قراراته الاستثمارية على أساس واضح.

وقال إن عدم استقرار التشريعات أو صدور قرارات ذات آثار واسعة ومفاجئة قد يدفع المستثمر إلى التحفظ في التوسع، أو إعادة النظر في هيكلة ملكياته وأنشطته التجارية، وربما التخارج من بعض مشروعاته، لافتاً إلى أن ربط الذمة الشخصية لصاحب العمل بجميع سجلاته التجارية بصورة مطلقة قد يزيد من مستوى المخاطر التي يتحملها المستثمر ويقلل من الحافز على التوسع وتنويع الأنشطة.

وتساءل الشيدي: «هل نريد من المستثمر أن يوسع أعماله وينشئ المصانع والمؤسسات ويوظف المواطنين، أم نريده أن يخشى من أن تؤدي مشكلة في نشاط واحد إلى تعطيل جميع استثماراته؟» مؤكداً أن تحقيق الأهداف الاقتصادية الوطنية يتطلب إيجاد توازن بين تنظيم السوق وحماية الاستثمارات القائمة.

وأكد الشيدي أنه مع تنظيم سوق العمل وتنظيم القطاع الخاص، إلا أن المشكلة -بحسب رأيه- ليست في مبدأ تطبيق القانون، وإنما في طريقة تطبيق الجزاء واتساع نطاقه وسرعة تنفيذه.

وأوضح أن السوق بحاجة إلى التنظيم، لكن التنظيم ينبغي أن يتم وفق استراتيجية واضحة ومدروسة تمنح أصحاب الأعمال والمستثمرين فترة كافية لتوفيق أوضاعهم والتعامل مع الالتزامات القائمة.

وأشار الشيدي إلى أنه رصد خلال الأيام الماضية عدداً من الحالات التي يرى أنها تعكس التداعيات العملية لتطبيق الحظر الشامل، موضحاً أن إحدى الحالات تتعلق بأحد المستثمرين الذين لديهم استثمار مشترك مع مستثمرين أجانب، إلى جانب امتلاكهم شركة مستقلة، حيث اضطر -بحسب قوله- إلى التنازل عن حقه في تلك الشركات أو حصصه مع المستثمرين الأجانب، مقابل الحفاظ على منشأته الأخرى.

وقال إن السؤال هنا يتمثل في: «من الذي دفع هذا الشريك إلى التنازل عن حقه؟»، معتبراً أن القرار كان سبباً مباشراً في دفعه إلى اتخاذ هذا الخيار لحماية نشاطه الآخر.

ولفت إلى أن مكاتب سند تأثرت كذلك بتطبيق القرار، موضحاً أن حجم الالتزامات المرتبطة بالإجراءات الجديدة أدى إلى تعطّل قدرتها على إنجاز بعض الأعمال، الأمر الذي يعكس -من وجهة نظره- الحاجة إلى دراسة الآثار العملية لأي قرار قبل تطبيقه.

وأكد الشيدي أن أي قرار تنظيمي ينبغي أن يستند إلى دراسة مسبقة ترصد التحديات المحتملة وتضع حلولاً لها قبل دخول القرار حيز التنفيذ، مشيراً إلى أن ظهور هذه الإشكالات بعد التطبيق يستدعي من الجهات المعنية مراجعتها ومعالجة آثارها.

وقال -بصفته أكاديمياً ورجل أعمال ومتخصصاً في القانون- إن القرارات التنظيمية تحتاج إلى دراسة واقعية متكاملة، بحيث لا تقتصر على معالجة المشكلة الأصلية، وإنما تستبق التداعيات التي قد تنشأ عن آليات التطبيق.

وأوضح أن معالجة المخالفات ينبغي أن تتم من خلال إجراءات تصاعدية ومتنامية مع حجم المخالفة، تبدأ بمنح صاحب العمل مهلة واضحة لتصحيح وضعه، ثم اتخاذ الإجراءات المناسبة في حال عدم الالتزام، بدلاً من الانتقال مباشرة إلى إجراءات قد تؤثر على منشآت وأنشطة أخرى ملتزمة.

وأشار الشيدي إلى أن تقييم أي قرار تنظيمي لا ينبغي أن يقتصر على مدى قدرته على ردع المخالفة، وإنما يجب أن يشمل كذلك قياس التكلفة الاقتصادية المترتبة عليه، متسائلاً عن حجم الأثر الذي يمكن أن تتحمله المنشآت والعمالة والاستثمار وسلاسل التوريد في حال تعطيل منشآت ملتزمة بسبب مخالفة في منشأة أخرى.

أحمد الشيدي.jpeg
 

وأكد أن القطاع الخاص شريك أساسي في الاقتصاد الوطني، وأن المنشآت الصغيرة والمتوسطة على وجه الخصوص تحتاج إلى قدر من المرونة والاستقرار حتى تتمكن من الاستمرار والنمو، محذراً من أن أي سياسة تؤدي إلى تعطيل منشأة ملتزمة قد تنتج عنها آثار متسلسلة تبدأ بتوقف النشاط وانخفاض الإيرادات، وتمتد إلى صعوبة دفع الرواتب وتعثر الموردين والإخلال بالعقود وتراجع الاستثمار والتوسع والتوظيف.

وشدد الشيدي على أن القاعدة التي ينبغي أن تحكم الإجراءات التنظيمية هي أن تكون العقوبة بقدر المخالفة وعلى قدر المسؤولية، وألا يمتد أثرها إلى منشأة ملتزمة لا علاقة لها بالمخالفة، مؤكداً أن تحقيق الانضباط في سوق العمل لا يتعارض مع توفير بيئة مستقرة وجاذبة للاستثمار، وإنما يتطلب تحقيق التوازن بين التنظيم والمرونة، وبين الردع وحماية النشاط الاقتصادي المشروع.

Top of Form

 

Bottom of Form

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z